الأولى دون الثّانية للإشارة إلى انّ الاطلاق قيد بالحمل الشّائع الصناعي والّا فهو في الظّاهر اطلاق بالحمل الأوّلى الذّاتى فهو لدفع استبعاد حمل أحد الضّدين على الآخر فتامّل قوله وانّ الشّارع اكتفى فيما ورد عنه اه أقول هذه الجملة لا دخل لها في دفع الاشتباه المذكور وظاهرها إرادة اثبات دلالة هذه المطلقات الثّابت اطلاقها بالاستقراء على الاستمرار اى اثبات إرادة الشّارع الاستمرار منها وعلى هذا فيرد عليه مضافا إلى ما ذكره المص ره من انّه يكون حينئذ دليلا اجتهاديّا مغنيا عن التّمسّك بالاستصحاب انّه مناف لما ذكره في اوّل مبحث الاستصحاب من انّه انّما يجرى فيما حصل فيه الاحتمال فانّ ما علم استمراره أو عدم استمراره ليس فيه احتمال فلا يجرى فيه الاستصحاب قوله ويمكن توجيه كلامه اه أقول هذه العبارة تحتمل معنيين أحدهما انّه إذا لم ينفع النّبوة المطلقة مع اقترانها بالبشارة لو فرض ثبوتها فكيف ينفع مطلق النّبوّة المهمل مع تبعيّة الأحكام له وثانيهما انّ الإطلاق بعد اقترانه بالبشارة يجعل النّبوّة المطلقة في حكم النّبوّة المهملة ويتبعها الاحكام في الإهمال وعلى هذا الاحتمال يرد الإيراد بانّ المحذور باق لعدم تسليم الخصم للبشارة ويندفع بانّ احتمال الاقتران يكفى في صيرورة النّبوّة مهملة الّا ان يتمسّك باصالة عدم الاقتران وبقاء الإطلاق لكنّها من قبيل الأصل في الحادث كما لا يخفى قوله ان كان الأقناع به اه أقول الدّليل على أربعة أقسام اقناعي وهو ما يتمسّك به المستدلّ في عمل نفسه كالأصل بعد تعارض الدّليلين واسكاتى ويقال له الإلزامي وهو ما اشتمل على مسلّمات الخصم يؤتى به افحاما له واثباتىّ وهو ما يؤتى به لاثبات المدّعى والمطلوب وارشادىّ وهو ما يراد به تعليم الغير في كيفيّة الاستدلال ولا يصير الاستصحاب دليلا للخصم بشيء من الأقسام قوله انّ اعتبار الاستصحاب ان كان من باب الأخبار اه أقول وان كان اعتباره عندهم بما ورد عن موسى وعيسى وممّا يدلّ على بقاء نبوّتهما مثل قولهم تمسّكوا بالسّبت فمع انّه بعد ثبوته مغن عن الاستصحاب موجب للدّور لانّ بقاء نبوّتهما موقوف على بقاء اعتبار قولهما إلى الآن وهو موقوف على بقاء نبوّتهما إلى الآن فان قيل يصحّ التّمسّك به ان كان اعتباره من باب الاخبار أيضا بعد فرض الاعتقاد بها قلنا فيكون نقض اليقين حينئذ بيقين آخر فيخرج عن مجرى الاستصحاب قوله ونفى الحرج لا دليل عليه اه أقول قد ذكرنا سابقا انّه لا شكّ في امتناع التّكليف بما فوق الطّاقة وقد دلّ عليه العقل والنّقل ولذا يعمّ الشّرائع كلّها ولا في امكان التّكليف بالوسع وهو ما دون الطّاقة وقد دلّ عليه العقل والنّقل أيضا وهو واقع في جميع الأديان وانّما الكلام في التّكليف بالطّاقة والمراد بها ما فوق الوسع وهو المعبّر عنه بالحرج والتّحقيق انّه لم يقع في شرعنا لقوله تعالى
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وقوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وقوله ص بعثت بالحنفيّة السّهلة السّمحة ووقع في الشّرائع السّابقة ظاهرا لقوله تعالى
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
وقوله تعالى
وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
وما ورد في الأخبار من التّكاليف الشّاقّة عليهم الّا انّ الشّأن في انّ مثل تلك الأمور كانت حرجا عليهم أو هي حرج بالنّسبة الينا وظاهر آية الامتنان بنفي الحرج عن هذا الدّين والآية الأخرى كونها حرجا عليهم الّا انّ كلام موسى ع لنبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في ليلة المعراج في امر الصّلوات الخمسين فانّ امّتك لا تطيق ذلك وما ورد في السّير والتّواريخ في بيان بسطة الأوّلين في الأعمار والأجسام وشدتهم وطاقتهم على تحمّل شدائد الأمور يدلّان على نفى الحرج وعلى هذا فالحرج منفىّ في جميع الملل كما لا يخفى قوله ولعلّ هذا الجواب يرجع اه أقول الّذى يختلج بالبال في جواب الاستصحاب بحيث ينطبق عليه جواب الإمام ع انّ الرّجل الّذى ادّعى النّبوّة واسمه عيسى في نفسه جزئي من الجزئيّات الحقيقيّة الخارجيّة وله أوصاف عنوانيّة يعرف بها ككونه ابن مريم وكونه ولد من غير أب وكونه نبيّا وكونه ذا معجزة كذا وكذا والجامع لهذه الصّفات الكثيرة هو شخص واحد لا يتعدّد في الواقع ونفس الأمر باعتقاد بعض تلك الصّفات بالنّسبة اليه وعدمه لكنّه يتفاوت بتغيرها اعتقاد المعتقد لانّ الجزئي الحقيقي لا
يتشخّص عنده الّا بمشخّصاته الخارجيّة والّا فضمّ الكلّى بكلّى آخر لا يفيد الجزئيّة بلغ ما بلغ ومن جملة الأوصاف العنوانيّة الّتى لا تفاوت بينه وبين سائر الأوصاف بل هو في عرضها في اعتقادنا هو كونه مبشّرا برسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فإذا قال الخصم انّ عيسى ع جزئي حقيقي فلنا ان نقول اىّ عيسى تقول فإذا قال ابن مريم فلنا ان نقول لعلّ عندكم شخص مسمّى بعيسى بن مريم لا نعرفه فإذا قال الّذى كان معجزته كذا فلنا ان نقول لعلّكم كذبتم في وجود مثل هذا الشّخص فلم يتحقّق عندنا وجود مثل هذا الشّخص نحن أخبرنا من قبل نبيّنا بوجود شخص مسمّى بعيسى موصوف بالأوصاف المذكورة لكن لا ندري انّه هو الّذى تقولون أم غيره لأنّ الّذى نقول بوجوده بقي من أوصافه المشخّصة وصف واحد وهو تبشيره برسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله فان سلّم الخصم اتّصافه بهذه الصّفة بطل استصحابه وان أنكره فلنا ان نقول لا نعرف بوجود جزئىّ حقيقىّ مسمّى بعيسى غير هذا فبذلك يبطل قول الكتابي في مقام مناظرة السّيّد الجليل انّ عيسى الشّخص الجزئي لا يتفاوت حاله بين ان يقول بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله أو لا يقول وعلى هذا فقول الإمام عليه السّلم جواب لا يراد سابق ودفع دخل لايراد لاحق بحيث افهم به الجاثليق فسكت فيكون جواب الإمام ع في مقام الاسكات والإلزام ومن دليل الحكمة لا في مقام الأقناع ومن دليل المجادلة بالّتى هي أحسن كما زعمه بعضهم نعم يتّجه ما ذكرناه سابقا من انّ الكتابي بل ولا الجاثليق ليس في مقام الاستصحاب كما هو محطّ نظر العلماء ويؤيده ما روى في الاحتجاج للشّيخ الطّبرسى ره من كيفيّة مناظرة الإمام عليه السّلم مع الجاثليق وملخّص مضمونه انّ الإمام عليه السّلم قال له ايّها الجاثليق أأنت قائل بنبوّة عيسى قال نعم لو لم أكن قائلا به لكنت كافرا قال ع أيكون قولك مع الدّليل أو بلا دليل قال مع الدّليل قال ع فما دليلك قال آياته ومعجزاته قال ع أرأيت معجزاته قال لا بل وصلت إلى بالأخبار المتواترة قال عليه السّلم وصلت إليك من المسلمين قال لا قال ع فمن اليهود قال لا بل من النّصارى قال عليه السّلم فإذا ثبت معجزة عيسى باخبار النّصارى وهم امّته فلم لا يثبت معجزة محمّد صلّى اللّه عليه وآله باخبار المسلمين وما الموجب للفرق فسكت الجاثليق ولا يخفى انّ الملائم في هذا المقام ان يقول لو أراد الإيراد بعد ذلك انّ معجزته مجمع عليها بين المسلمين والنّصارى ومعجزة محمّد صلّى اللّه عليه وآله مختلف فيها ولا يترك المجمع عليه بالمختلف فيه وجوابه حينئذ ما ذكرنا من انّ هذا يستلزم استظهار اليهود عليهم بل أمم الأنبياء السّلف على اليهود