لم تسمح بمثله الايّام وعقمت عن انتاج شكله الأعوام خريت في جميع الفنون والعلوم جريب في جميع الشّجون والرّسوم له لسان طلق فصيح وبيان صحيح مليح على ما نقل عنه من الكرامات ومآثر وآيات وقد شاع وذاع وملأ الأسماع والأصقاع تشييعه الجمّ الغفير والجمع الكثير من اليهود لما رأوا فيه من البراهين والاعجاز وناهيك بما بان له من الآيات يوم كان بالحجاز ومع ذلك كلّه فكيف يجترى المحقّق القمي ره ان يلقّبه ببعض السّادة الفضلاء ويصفه بالفطنة والذّكاء أو يكفى بمجرّد الطّهارة الذّكاء قوله الّا ان يريد جعل البيّنة على المسلمين اه أقول فلا يكون غرضه الاستصحاب وتقرير شبهة حينئذ انّ نبوّة عيسى ع مثلا ثابتة باعتراف المسلمين فعليهم اثبات نسخه وبعث محمّد صلّى اللّه عليه وآله وجوابها ما ذكره مولانا الرّضا عليه السّلم وتوضيحه انّا نقول اوّلا انّ محلّ النزاع هو ثبوت النّبوّة على قوم وجدوا بعد زمان محمّد صلى اللّه عليه وآله واىّ مسلم يقرّ بهذه النّبوّة وثانيا انّ اعتراف المسلم بنبوّة عيسى ع انّما يتوقّف على النّبوّة الواقعية لمحمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلى آبائه إذ ليس له مستند في ذلك الّا اخباره صلّى اللّه عليه وآله بنبوّته فإن كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله نبيّا في الواقع فكذلك عيسى ع والّا فلا وعلى الخصم اثبات نبوّته فقول أهل الكتاب انّ عيسى ع مثلا شخص جزئي لا يتفاوت حاله بين ان يقول بنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله أو لا قلنا نعترف بنبوّة هذا الشّخص الجزئي الموجود الخارجي بدليل لا تحكم أنت ايّها الكتابي بصحّته وهو قول محمّد صلّى اللّه عليه وآله فان كنت قائلا بصحّة قوله وصدق كلامه بطل نبوّة عيسى عليه السّلم فان قال انّا نأخذ المدّعى ولا نطلب الدّليل قلنا عدم طلب الدّليل ان كان لمجرّد موافقة قولي لغرضك فهو انّما ينفع في مقام ثبوت النّبوة عندك لا ثبوت تصديقي بها وثبوتها عندي عندك فانّ علمك بثبوته عندي لا بدّ من أن يحصل بسبب الاستدلال متى لاحتمال كونى هازلا أو عابثا أو نحو ذلك فحينئذ فعدم طلب الدّليل امّا للمكابرة واللّجاج وامّا للوثوق بقولي بلا دليل فإن كان الثّانى فيجب عليك تصديقي في دعوى نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وان كان الأوّل ففساده لا يخفى على المنصف وبما قرّرناه يندفع شبهة أخرى لهم قريبة ممّا ذكر وانّ نبوّة عيسى ع مثلا اجماعيّة ونبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله خلافيّة فلا يترك الوفاقى بالخلافى فيجب على المسلمين اثبات نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله مع انّ هذا يرد على النّصارى حرفا بحرف من قبل اليهود لاتّفاقهما على نبوّة موسى عليه السّلم واختلاف اليهود في نبوّة عيسى ع وعلى اليهود بالنّسبة إلى أهل الأديان السّابقة بل نقول اثبات نبوّة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله للموجودين بعد ظهوره ص أسهل من اثبات نبوّة الأنبياء السّابقين عليه ضرورة انّ اثبات امر صدر قبل الف سنة اقلّ مئونة من اثبات امر صدر قبل الفين وهكذا فلو قال الكتابي للمسلم بم علمت نبوّة محمّد ص فله ان يقول بمثل ما علمت به نبوّة موسى أو عيسى عليهما السّلم من البراهين والآثار ولو قال المسلم للكتابي عرفت نبوّة موسى أو عيسى ع في هذا الزّمان فليس له ان يقول مثل ذلك لانّ الدّليل يثبت نبوّته قبل آلاف سنة من هذا الزّمان لا في هذا الزّمان لوجود مثل ما أثبت نبوّتهما لاثبات نبوّة محمّد ص فيه وبه يندفع شبهة أخرى لهم وهو انّ نبوّة النّبى ع تثبت للحاضرين باظهار المعجزات وللغائبين بذكر الآثار والأخبار بالآيات ولا يصل الأخبار بمعجزات محمّد صلّى اللّه عليه وآله في كثرة الطّرق والمخبرين إلى حدّ الأخبار بمعجزات موسى أو عيسى ع لأنّ المسلمين من جملة النّاقلين في الثّانى واليهود والنّصارى ليسوا من جملة النّاقلين في الأوّل فانّ الأخبار بمعجزاتهما لا يثبت عندنا الّا باخبار نبيّنا ص الّذى يكون من جملة اخباره خبر نسخ دينهما بدينه ص قوله فلعلّه ع أراد به غير ظاهره اه أقول أو اكتفى به لعلمه بقناعة السّائل به وعدم تفطّنه إلى أزيد ممّا سأله فلو أورد الجاثليق بالايراد الذي أورده الكتابي على السّيّد المناظر له لوجب على الإمام ع ان يجيب عند باتمّ بيان وأحسن تبيان
والمتتبع في اخبارهم وبياناتهم في مقام دفع الشّكوك والشّبهات يعلم انّ ديدنهم على تكليم النّاس على قدر عقولهم وملاحظة مراتبهم في محاوراتهم ولذا يصدر عنهم ع كثيرا ما في المسائل أجوبة بعضها فوق بعض على حسب قوابل السّائلين والسّامعين وناهيك في ذلك ملاحظة جواب الامام ع في المسألة المعروفة بالشّيطانيّة وهي انّ اللّه تعالى هل هو قادر على أن يدخل الدّنيا في البيضة لا تصغر الدّنيا ولا تكبر البيضة أو ليس بقادر من تشبيهه ع ذلك بدخول المرئى الكبير من السّماء والأرض في ناظرة العين فقد ورد عنهم ع الجواب الدّالّ على الامتناع والدّالّ على الامكان بتشبيهه بما ذكر وقد سكت والتذّ بذلك هشام بن الحكم الّذى من المتكلّمين الّذى ورد عن الإمام عليه السّلم في مدحه وتوصيفه بالعلم كلمات كثيرة حين سأله عبد اللّه الديصاني فعجز عن الجواب فأجاب الامام ع بما ذكر حيث قال ع بعد سؤال هشام عنه يا هشام كم حواسّك قال خمس قال ايّها أصغر قال النّاظر قال وكم قدر النّاظر قال مثل العدسة أو اقلّ منها فقال له الإمام عليه السّلم يا هشام فانظر امامك وفوقك واخبرني بما ترى فقال أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وبراري وجبالا وانهارا فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلم انّ الّذى قدر ان يدخل الّذى تراه العدسة أو اقلّ منها قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تصغر الدّنيا ولا تكبر البيضة فهذا الجواب كما ترى لا يمكن تصحيحه الّا بإرادة التّشبيه والتّنظير بملاحظة اكتفاء السّائل به أو إرادة انّ ذلك يتصوّر في الوجود الانطباعي لا الوجود التّعينى ويشهد بذلك ما رواه الصّدوق ره في التّوحيد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال جاء رجل إلى الرّضا عليه السّلم فقال هل يقدر ربّك ان يجعل السّماوات والأرض وما بينهما في بيضة قال نعم وفي أصغر من البيضة قد جعلها في عينك وهي اقلّ من البيضة لأنّك إذا فتحتها شاهدت السّماء والأرض وما بينهما ولو شاء لا عماك عنها وعلى هذا فيكون الجواب على وفق الحكمة إذ لا شكّ انّ ظاهر الرّواية هو السّؤال عن الوجود العيني ومراد الإمام ع رفع استبعاد ثبوته باثبات نظيره وهو انّه لا بدّ من ارتسام الشّيء في الصّقيل من محاذاته والّا لم ترتسم والدّنيا ترتسم في العين مع عدم محاذاة كلّ اجزائه من دون انقباض في المرتسم ولا انبساط في المرتسم فيه مع عدم اذعان العقول بكيفيّتها ونظائره كثيرة يطلع عليه المتتبع في كتب الحكمة وقد أجاب الإمام ع في خبر آخر بما يدلّ على امتناعه بمقتضى فهم السّائل ومناسبة المقام فروى الصّدوق ره في التّوحيد عن أبي عبد اللّه ع قال جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السّلم قال يقدر اللّه ان يدخل الأرض في بيضة لا يصغر الأرض ولا تكبر البيضة فقال عليه السّلم ويلك انّ اللّه تعالى لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممّن يلطف الأرض ويعظم البيضة وروى أيضا انّ إبليس سئل عيسى بن مريم ع عن ذلك فاجابه بمثل ذلك فحاصل هذا الجواب ان ذلك
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 334
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٣٤