الغير الأخروىّ اه أقول تفصيل الكلام انّ الشّكّ والوهم على ما عرفت سابقا لا يعقل فيهما الطّريقيّة ويعقل في الشّكّ الموضوعيّة في موارد الأصول ولا يمكن الالتزام بموضوعيّته الّا فيما دلّ الدّليل وامّا الظّنّ فيعقل فيه الطّريقيّة والموضوعيّة كالقطع الّا انّ تشخيص مواردهما مشكل واختلف فيه الكلمات واضطربت فيه العبارات وقد صرّح الأصوليّون والفقهاء في مواضع كثيرة بحرمة مخالفته وترتّب العقاب عليها وان انكشف الخلاف وهو مستلزم للموضوعيّة فمنها ما ذكره ابن الحاجب من العامّة والفاضل الجواد ره في شرح الزّبدة والفاضل الصّالح في حاشية المعالم من انّ المكلّف لو ظنّ ضيق الوقت ولم يصلّ وانكشف خلاف معتقده عصى بل ادّعى بعضهم الاتّفاق على ذلك ومنها ما ذكره المحقّق القمّى ره في القوانين في ذيل مسئلة الواجب الموسّع من حرمة مخالفة الظّنّ نظير ما لو ظنّ حليلته اجنبيّة فوطئها بل يظهر من بعضهم انّه لو تكرّر منه مخالفة الظّنّ في واقعة مثل ما لو ظنّ مخالفه وانكشف الخطأ ثمّ ظنّ مرّة أخرى فخالفه وهكذا تعدّد عليه العقاب بل افرط الباقلاني وحكم بكون العبادة قضاء بعد مخالفة الظّنّ وان انكشف خلافه ومنها ما ذكره الفقهاء في مسئلة المسافر وظنّه الضّرر من انّه يجب عليه الإتمام لكون سفره معصية ولو تركه قضاه تماما لا قصرا ولو أخطأ ظنّه ومنها ما ذكره المحقّق ره في المعتبر وغيره من انّه لو خاف من استعمال الماء في الوضوء وتوضّأ مع خوف الضّرر لم يجزه وان انكشف خلاف ما ظنّه ويجب عليه قضاء العبادة فضلا عن الإعادة ولو ظنّ عدم الضّرر وتوضّأ أجزأه وان انكشف الخلاف فلا بدّ من التّأمّل والتّحقيق في انّ العقاب على مخالفة الظّنّ في باب الضّرر وغيره هل هو بناء على استحقاق التّجرّى للعقاب أو من جهة موضوعيّة الظّنّ بمقتضى الأدلّة كقوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
بناء على شمولها لموارد الظّنّ أو بناء على استحقاق العقاب على مخالفة الطّرق الشّرعيّة وتحقيق الفرق بين الضّرر الأخروىّ والدّنيوىّ وانّه هل يجب دفع محتملهما كمظنونهما أو لا وانّ الاحتراز من ايّهما اهمّ في صورة المعارضة والقول الجامع في هذا الباب ما قيل من انّ الضّرر امّا ان يكون له معارض أو لا وعلى الأوّل فامّا ان يكون المعارض مساويا أو أقوى أو أضعف بحسب الرّتبة أو بحسب مرتبة الاحتمال أو الاعتقاد وعلى التّقادير امّا ان يكونا اخرويّين أو دنيويين أو مختلفين وعلى التّقادير فامّا محتمل أو مظنون ففي صورة المعارضة يتخيّر بين المتساويين من حيث الدّنيويّة والاخرويّة ويقدّم الاحتراز عن الأخروىّ إذا عارض الدّنيوىّ ان كان الأوّل مظنونا والأقدم الثّانى لأنّ المحتمل من الاوّل لا يعتنى به وان لم يكن له معارض لأدلّة البراءة ولا يمكن جعل قاعدة دفع الضّرر بيانا لتصير حاكمة عليها لأنّ حكم العقل بالنّسبة إلى الظّاهر وبيان كلّ شيء من الشّارع يجب ان يكون بحسبه فلا بدّ من البيان النّاظر إلى الواقع فيكون قاعدة القبح واردة أو حاكمة كما عرفت سابقا ومع اختلافهما بعد التساوي من الجهة المذكورة في الرّتبة يختلف التّرجيح بالنّسبة إلى العوارض من الأشخاص والأوقات هذا مع ما انّه ممّا قد يستشكل في المقام انّهم ذكروا في باب الشّبهة المحصورة انّه لو اعتقد الحرمة وارتكب بعض الأطراف ثمّ انكشف الخلاف لم يترتّب عليه العقاب قطعا فما الفرق بينها وبين ما ذكرنا من المسائل والموارد مع اتّحاد المناط في الكلّ وهو وجوب رفع الضّرر المظنون وقد تفصّى بعضهم من جهة الفرق بين الضّرر الدّنيوىّ والأخروىّ وأنت خبير بما فيه وظنّى انّ منشأ اختلافات الموارد إذا ثبت الاختلاف هو الموضوعيّة والطّريقيّة وبه يمكن الفرق بين الأخروىّ والدّنيوىّ أيضا كما لا يخفى ويمكن الفرق بين الضّرر الدّنيوىّ والأخروىّ بوجه آخر وان لم يساعده كلمات القوم وهو انّ الأوّل موضوع رتّب الشّارع عليه حكم وجوب الاجتناب كسائر الموضوعات المحرّمة كالخمر مثلا فكما انّ تلك الموضوعات تثبت بالطّرق الشّرعيّة كخبر الواحد فكذا هذا فانّ الظّنّ قائم مقام العلم شرعا نعم في صورة الشّكّ والاحتمال يجرى اصالة البراءة بخلاف الثّانى فانّ الحكم فيه مترتّب على الواقع وظنّ الضّرر طريق اليه فلا يترتّب على مخالفته سوى ما يترتّب على الواقع فيكون الحكم العقل ونهى الشّارع أيضا لو فرض وروده فيه ارشاديّا ولا
يترتّب على مخالفة الاعتقاد عقاب آخر والّا لتسلسل لأنّه ان كان مورد العقاب فلا بدّ ان لا يخالف اعتقاد هذا الاعتقاد فينقل الكلام اليه وهكذا وهذا نظير ما ذكروه في بيان كون الأمر بالإطاعة ارشاديّا وقد أشرنا اليه قوله لكن الأنصاف الزام العقل اه أقول الأنصاف انّ الضّرر يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والمقادير فبعد ملاحظة هذه الأمور كثيرا ما يحكم العقل بوجوب دفع الضّرر المشكوك سيّما الضّرر الموجب للهلاك أو ما يقرب منه ومن هنا استدلّ الاماميّة والمعتزلة على وجوب النّظر في معرفة اللّه تعالى بانّه مقدّمة لمعرفة الصّانع الّتى هي مقدّمة لدفع خوف الضّرر عن النّفس الحاصل من ملاحظة الإنسان استغراق نفسه في أنواع النّعم وتجويز إرادة المنعم الشّكر عليها بحيث لو لم يشكره لسلبها عنه ولم يورد عليهم الأشاعرة مع نفيهم التّحسين والتّقبيح العقليّين سيّما في مسئلة وجوب شكر المنعم وإباحة الأشياء بعد التنزّل عن أصلهم الفاسد بمنع وجوب دفع الخوف والضّرر غاية الأمر انّهم أوردوا بمنع زوال الخوف بالمعرفة ولا شكّ انّ خوف الضّرر لمن لم يعرف الصّانع بعد ولم ينظر في معرفته محتمل لا مظنون كما لا يخفى ولذا حقّقنا في فنّ الكلام انّ اخذ بعض المقدّمات في هذا الدّليل مثل انّ المنعم قادر على سلب النّعمة مستدرك كما أن اخذ مقدّمة أخرى تركوا ذكرها وهي انّ للنعم منعما لازم امّا الأوّل فلعدم كونها مسلّمة عند النّاظر لتجويزه ايجاب المنعم في افعاله وامّا الثّانى فلتوقّف باقي المقدّمات على تلك المقدّمة إذ مع تجويزه وجود النّعم بلا منعم لا يكون له خوف ولو كان فبالوهم بل بأدنى مرتبة منه قوله الّا انّه قد يتّحد مع الضّرر الدّنيوى اه أقول توضيحه انّ ما ذكرنا من وجوب دفع الضّرر انّما هو إذا لوحظ بذاته وامّا إذا لوحظ مع الاعتبارات الخارجيّة الّتى يختلف باختلافها الأحكام والآثار على ما هو التّحقيق فربّما لا يجب دفعه بل كثيرا ما يحسن طلبه لتدارك مفسدته بمصلحة من قبل الشّارع كما في موارد كثيرة وردت في الشّرع يكشف اذن الشّارع فيها عن عدم قبحه مع التّدارك فاذن الشّارع رافع لصغرى القاعدة ومن هنا يتّضح معنى قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا