ربّما يقال في الفرق بين التّوقّف والاحتياط من انّ المراد من الأوّل هو التّوقّف عن الإفتاء ومن الثّانى هو الاحتياط في العمل وذلك لأنّ كلا منهما في مقام الإفتاء بالنّسبة إلى الحكم العام فالقائل بالاحتياط يفتى بوجوب الاحتياط والقائل بالتّوقّف لا يفتى به والقول بالاحتياط لا ينفكّ عن القول بالتّوقّف في الحكم الخاصّ وإذا كان مراد القائل التّوقّف في الحكم العامّ بطل فرقه بين القولين رأسا لانّ القائل بالاحتياط على ما عرفت يفتى بوجوب الاحتياط فالاحتياط يلازم الإفتاء حينئذ فلا يختصّ بمقام العمل قوله والأظهر انّ التّوقّف اعمّ اه أقول فيه نظر لا يخفى قوله والاحتياط اعمّ من موارد التحريم اه أقول قيل انّه يختصّ بموارد الوجوب بمعنى انّه عبارة عن ارتكاب الأمر المحتمل للوجوب وحكم آخر ما عدا التّحريم ويطلق على ترك الشّبهة التّحريميّة التّوقّف وجعلهما بمعنى واحد ناش من الغفلة ولا يخفى انّه دعوى بلا دليل معتبر ولا وجه اعتبارىّ قوله فتامّل اه أقول وجهه ظاهر لظهور انّه لا منافاة بين الإباحة الواقعيّة والحرمة من حيث كون الشّيء مجهول الحكم فانّ الإباحة الواقعيّة هي الأذن الواقعي لا الظّاهرى حتّى ينافي المنع الظّاهرى وهذا واضح لا سترة فيه بعد وضوح بطلان التّصويب ولو ترك المص ره هذا التّوجيه لكان أولى الّا ان يؤجّه التّوجيه بوجه وجيه بل وكذا بعض التّوجيهات الآخر ونفى القول بالحرمة الواقعيّة كما نقلناه عن بعضهم أو الالتزام بانّ ما ذكروه مبنىّ على الخلط وعدم التّميز بين الحكم الواقعي والظّاهرى كما صنعه بعض الأفاضل أسهل
[ الأمر الخامس ان اصالة الإباحة في مشتبه الحكم انما هو مع عدم أصل موضوعي ]
قوله ويظهر من المحقّق والشّهيد الثّانيين اه أقول قال أولهما في جامع المقاصد ولو لم يغلب عليه صورة أحد النّوعين فهو طاهر غير حلال تمسّكا بالأصل في الأمرين وقال ثانيهما في الرّوضة ولو انتفى المماثل فالأقوى طهارته وان حرم لحمه للأصل فيهما وحكى عن صاحب الرّياض ره انّه تبعهما في اجراء الأصلين معلّلا طهارته بانّ نجاسته يستلزم وجوب الاجتناب عنه والأصل عدمه وبقوله ع كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انّه قذر وحرمته بقوله تعالى
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
الآية فانّ الميتة حقيقة لغة في ما زهق روحه باىّ وجه اتّفق فتصدق على هذا الحيوان بعد التّذكية وسيأتي ما فيه وقد يستدلّ لأصالة الحلّيّة بقوله تعالى
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
بتقريب انّها تدلّ على الحلّيّة الذّاتية والتّذكية ترفع الحرمة العرضيّة وفي دلالتها تامّل قوله فإن كان الوجه فيه اصالة اه أقول الّذى يصلح ان يكون مستندا لهذا القول أمور لم يذكر بعضها في الكتاب وقد أشرنا إلى بعضها ومن جملة ذلك ما ورد في الاخبار من حرمة لحم الحيوان المرتضع من لبن الخنزير بتقريب انّ التّولّد أولى من الارتضاع ومنها الإجماع كما يشعر بقيامه كلام بعضهم ككاشف الغطاء ره حيث قال في المقام انّ مقتضى القواعد الشّرعيّة حلّيّة اللّحم لو لم يتمّ الإجماع ومنها تخيّل كون المسألة من قبيل الشّبهة الموضوعيّة المسبوقة بالعلم الإجمالي للقطع بعدم خروج هذا الحيوان من اللّحوق بأحد الطّرفين وانّما الشّك في التّعيين فلا بدّ من الاحتياط ومنها الغلبة فانّ الغالب في الحيوان الحرمة والظّنّ يلحق الشّيء بالأعمّ الأغلب وفي الكلّ نظر امّا الأوّل فلمنع الأولويّة اوّلا وبطلان القياس واستلزامه الحكم بالنّجاسة ثانيا وامّا الثّانى فلأنّ أمثال العبارة المذكورة لا يدلّ على تحقّق الإجماع بل على توهّمه ومثله في كتب الفقهاء كثير وامّا الثّالث فلامكان عدم اللّحوق بأحد الظّرفين فيكون الشّبهة حكميّة وامّا الرّابع فلأنّه يتمّ بناء على الظّنّ المطلق والقائل بذلك من أرباب الظّنون الخاصّة مع انّ الغلبة ممنوعة قوله وكيف كان فلا يعرف وجه اه أقول هذا بظاهره يشعر بتسليمه وجود ما يدلّ بالعموم على جواز تذكية كلّ حيوان وهو بعيد أو يكون هذا الكلام مبنيّا على ذلك القول وهو ابعد بالنّظر إلى طريق المناظرة قوله بل الطّيب ما لا يستقذره اه أقول ظاهر كلمات اللّغويّين بل الفقهاء انّ الطّيّب والخبيث متضادّان قال في مجمع البحرين والخبيث ضدّ الطّيّب يقال خبث الشّيء خبثا من باب قرب وخباثة ضدّ طاب فهو خبيث والخبيثة واحدة الخبائث ضدّ الطّيّبة قال تعالى
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
وقال في موضع آخر الطّيب يقال لمعان الأوّل المستلذّ الثّانى ما حلّله الشّارع الثّالث ما كان طاهرا الرّابع ما خلى عن الأذى في النفس والبدن وهو حقيقة في الأوّل لتبادره إلى الذّهن عند الإطلاق والخبيث يقابل الطّيّب بمعانيه انتهى ويوافقه كلام بعض المفسّرين والفقهاء فيكون المعنى الحقيقي للخبيث بمقتضى التّضادّ الّذى يقتضى كون المتضادّين وجوديين ما يشمئز ويتألّم منه فإذا كان الطّيب وجوديّا على ما ذكر فلا بدّ من احرازه مع انّ اثبات الطّيّب بالأصل المذكور لا يخلو عن شيء إذ الأصل المذكور يشبه ان يكون من الأصول المثبتة ولعلّ قوله ره فتدبّر إشارة إلى ما ذكرناه فتدبّر قوله فلا ينفع قول الأخباريّين له اه أقول وذلك لما أشار اليه من انّ المسألة عقلية فلا سبيل للتّقليد إليها
[ المسألة الثانية ما إذا كان دوران حكم الفعل بين الحرمة وغير الوجوب من جهة اجمال النص ]
قوله كان داخلا في الشّبهة في طريق الحكم اه أقول يعنى الشّبهة الموضوعيّة الّتى لا يقول الأخباريّون بوجوب الاحتياط فيها أيضا قوله وهو فاسد اه أقول لانّ متعلّق الحكم إذا لم يتبيّن ولم يصر معلوما أوجب ذلك كون الحكم مشكوكا فيه إذ ليس الحكم عبارة عن نفس الوجوب والتّحريم وغيرهما بل هو عبارة عنها باعتبار تعلّقها بفعل المكلّف فالشّكّ فيه يوجب الشّكّ فيها وهذا ظاهر
[ المسألة الثالثة ان يدور حكم الفعل بين الحرمة وغير الوجوب من جهة تعارض النصين وعدم ثبوت ما يكون مرجحا للآخر ]
قوله وهذه الرّواية وان كانت اخصّ اه أقول وجهه انّ الحكم بالتّخيير فيهما بعد فقد المرجّحات علّق بفقدان موافقة الاحتياط وسائر الأخبار عامّة من هذه الجهة قوله ثمّ إذا لم نقل بوجوب الاحتياط اه أقول التّحقيق ان يقال انّ حجّيّة البراءة ان كانت من باب الظّنّ فلا بدّ من تقديم الخبر الموافق لها لتأيّد الظّنّ الحاصل منه بالظّنّ الحاصل منها ولا ريب في تقدّم الظّنّ القوىّ على الظّنّ الضّعيف فيسقط القول بالتّساقط لوجود المرجّح ولأنّ الخبرين حجّتان شرعيّتان فلا وجه لطرحهما وكذا القول بالتّوقّف والتّخيير بقسميه أيضا لأنّ موردهما التّعادل وان كانت من باب التّعبّد فالحقّ هو التّخيير إذ لا يمكن ترجيح ما يكون المناط في حجّيته إفادة الظّنّ بما يكون المناط في حجّيّته مجرّد التّعبّد لاعتبار المجانسة بين المرجّح والمرجّح ولا طرحهما معا لبطلانه بعد ظهور حجّيّتهما ولا التّوقّف إذ لا بدّ من العمل كما انّ الحقّ هو التّخيير الابتدائي لأنّ شمول ادلّة التّخيير للاستمرار غير معلوم وغاية ما يتمسّك به فيه هي الاستصحاب وهو مشروط ببقاء الموضوع وهو غير باق إذ هو الشّخص المتحيّر النّاشى قوله وقد طعن صاحب الحدائق فيها اه أقول قال في الغاية القصوى انّ الكتاب معتبر إذ مؤلّفه الأحسائي هو محمّد ابن أبي جمهور لا ابن جمهور كما هو المش وهو رجل جليل القدر عظيم الشّأن من العلماء المعروفين من الطّائفة وشرح أحواله يؤخذ من أمل الآمل ومجالس المؤمنين واللّؤلؤة انتهى وقال مولانا المجلسي ره في مقدّمات البحار ما لفظه وكتاب غوالي اللّئالى وان كان مشهورا ومؤلّفة في الفضل معروفا لكنّه لم يميز القشر من اللّباب وادخل اخبار متعصبي المخالفين بين روايات الأصحاب فلذا اقتصرنا منه على نقل بعضها انتهى