تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
البراءة في الاستصحاب موضوعا حيث قسّموه إلى استصحاب حال العقل واستصحاب حال الشّرع وخصّوا الأوّل بالبراءة الأصليّة ويبعد كون التّسمية للمستصحب اعني حال العقل لا للاستصحاب كما لا يخفى قوله ولا يحتاج اليه بعد قيام اه أقول هذا بعد تسليم ان يكون الإجماع من جهة الظّنّ عند كلّ المجمعين والّا فيمنع جواز التّمسّك به من أصله قوله لا اشكال في رجحان الاحتياط اه أقول ينبغي بسط الكلام في هذا المقام ببيان كلمات صدرت من الأعلام ممّا يناسب المقصد والمرام فنقول يستفاد من كلمات اللّغويّين ان الاحتياط هو الأخذ بالأوثق الّذى لا يحتمل الوقوع في الضّرر أصلا أو يحتمل احتمالا مرجوحا ففي القاموس احتاط اخذ بالحزم وعن الصّحاح احتاط الرّجل لنفسه اى اخذ بالثّقة وفي المجمع احتاط بالأمر في نفسه اى اخذ بما هو أحوط له اى اوقى ممّا يخاف واحتاط بالشّيء احدق به واحتاط الرّجل اخذ بالثّقة انتهى وعرفه العلماء من الأصوليّة والأخباريّة بتعاريف مختلفة متقاربة فقيل هو الأخذ بما هو اوقى للنّفس من الهلاك في صورة الاحتمال لا في صورة الجزم وقيل هو ان يأخذ المكلّف بما يخرجه عن عهدة التّكليف ولو بالإضافة وقيل هو العمل بما يتيقّن معه براءة الذّمّة عند عدم وضوح الحكم الشّرعى وقيل هو الإتيان بما يحتمل وجوبه واقعا في الجملة ولا يحتمل التّحريم أو ترك ما يحتمل تحريمه كذلك ولا يحتمل الوجوب فان عمل به لدليل يدلّ عليه غير دليل الاحتياط كالخبر المعتبر أو الاستصحاب أو ما أشبه ذلك لم يعد العمل به احتياطا وكذا إذا احتمل الوجوب والتّحريم وانّما اعتبر التّقييد بقوله في الجملة للاحتراز عن مثل الأقلّ والأكثر إذا دار الأمر بين وجوبهما فانّ وجوب الأقل نفسا وان كان محتملا الّا انّ وجوبه في الجملة معلوم ويقرب من ذلك كلام السّيّد صدر الدّين ره ولا يخفى انتقاض بعض هذه التّعاريف وعدم انطباقه على الاحتياط على القول بوجوبه لعدم الوقاية أو استحبابه للقطع بعدم الهلاك مع تركه ثمّ انّه لا شكّ بعد اثبات عدم وجوبه وفي رجحانه كما يشعر بكليهما رسومه بل يحكم ببداهة ذلك العقل واتّفق عليه العقلاء إذ به جلب المنافع ورفع المفاسد الدّنيويّة والأخرويّة بشرط ان لا يورث الوسوسة في الأعمال والسّفسطة في الاعتقاد ولا يوجب العسر والحرج المنفيين بالآيات والرّوايات وبالجملة رجحانه ممّا لا اشكال فيه وانّما الأشكال في انّ الأوامر الدّالّة عليه استحبابية أو ارشادية قضيّة ظاهر الأمر هو الأوّل نظرا إلى كون الاستحباب مجازه الرّاجح وقضيّة ظواهر الأخبار هو الثّانى بل ربّما يقال انّ جميع الأوامر الشّرعيّة ارشاديّة حيث انّها مبتنية عند العدليّة على المصالح الكامنة في ذوات الأشياء بل ربّما يقال انّ الأمر حقيقة في الإرشاد وضعف الأوّل ظاهر وكذا الثّانى فانّ كونه حقيقة فيه انّما يسلم إذا كان المستعمل فيه هو الإرشاد الوجوبي لا النّدبى أو المطلق مع ندرتهما وشيوع النّدب نعم أوامر الإطاعة ارشاديّة وربّما قيل انّ الإرشاد خارج عن الطّلب بل هو اخبار محض بما يحكم به العقل لا يقال حكم العقل من باب مجرّد الإرشاد لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب والأحكام الشّرعيّة مبتنية عليه للتّلازم بينهما كما قرّر في محلّه فيلزم أن تكون هي أيضا كذلك لأنّا نقول فرق بين حكم العقل وحكم الشّرع فانّ الأوّل على سبيل الهداية على المصلحة وإراءة الخير بخلاف الثّانى فانّه على سبيل الأمر المولوية ولا ريب انّ ترتّب الثّواب والعقاب من لوازم الثّانى دون الأوّل ولا يلزم مساواة المبنى والمبنى عليه من كلّ وجه مع انّا نقول انّ حكم العقل وان لم يستعقب ثوابا ولا عقابا الّا انّه يقتضى وجوب طلب الشّارع في موارد الفعل والتّرك من باب اللّطف على جهة الطّلب المولوي الّا فيما لا يمكن ذلك كوجوب الطّاعة وحرمة المعصية فقد حقّق في محلّه انّ السّمعيات الطاف في العقليّات ثمّ انّ لهم عنوانا آخر وهو التّسامح في ادلّة السّنن وهو غير ما نحن فيه فانّ التّحقيق انّ ادلّة التّسامح لا تنهض شيء منها دليلا لاثبات الاستحباب بالنّسبة إلى الحكم كما مرّ ولا بالنّسبة إلى الاحتياط لانّها انّما دلّت على اعتبار ما لا ينهض دليلا من خبر ساقط أو فتوى فقيه في اثبات الاستحباب به والكلام في الاحتياط فيما لم ينهض دليل على أحد الاحتمالين أو أحد المتعارضين فالفرق بينهما مفهوما وموردا غير خفىّ مع أن الاحتياط اعمّ موردا من جهة أخرى وهي جريانه في الموضوعات أيضا قوله ثمّ لا فرق فيما ذكرنا من حسن الاحتياط اه أقول ينبغي ان يعلم انّ الاحتياط ممّا له مجال واسع ومناص دافع حيث انّه يجرى في العبادات والعادات والآداب والسّياسات والعقود والإيقاعات والنّيّات والاعتقادات والشّبهات الحكميّة من التّحريميّة والوجوبيّة باقسامها والشّبهات الموضوعيّة على اختلاف أنواعها واحكامها والشّبهات المندوبيّة والمكروهيّة وتصوير صور ما يجرى فيها من الشّبهات الحكميّة ان يقال انّ الشّبهة امّا وجوبيّة أو تحريميّة وعلى كلا التّقديرين امّا ان يكون طرف الاحتمال هو النّدب أو الكراهة أو الإباحة وعلى التّقادير منشأ الاشتباه امّا فقدان النّصّ أو اجماله من جهة الاشتراك اللّفظى أو تساوى المجازات بعد تعذّر الحقيقة أو تعارض النّصين فيحصل ثماني عشرة صورة وهذه الصّور منها ما يكون بينها قدر جامع من الرّاجحيّة كالوجوب مع احتمال الاستحباب باقسامها الثلاثة أو المرجوحيّة مع كالحرمة مع الكراهة كذلك ومنها ما لا يكون كذلك ويكون فيها التّناقض كالوجوب والكراهة أو الحرمة والنّدب لتغاير كلّ من الوجوب والحرمة مع الكراهة والنّدب جنسا وفصلا حيث انّ جنس أحد الأولين طلب الفعل وفصله المنع من التّرك وجنس الآخر وفصله بالعكس وجنس أحد الأخيرين طلب التّرك وفصله عدم المنع من الفعل وجنس الآخر وفصله بالعكس ومنها ما ليس فيه قدر جامع ولا تناقض كاجتماع كلّ من الوجوب والحرمة مع الإباحة وفي ثبوت النّدب أو الكراهة فيهما قولان وسيأتي الكلام في احكام تلك الأقسام في مقام أليق فانتظر والمناسب هاهنا بيان حكم صور الشّبهة التّحريميّة فنقول الأولى منها دوران الأمر بين التّحريم والإباحة وقد عرفت الكلام في بعض شقوقها ويأتي الكلام في بعضها الآخر وملخّص القول فيها انّ في حكمها قولين قولا بالكراهة للاحتياط وقاعدة المسامحة وقولا بعدمها لانّ ظاهر الدّليل التّحريم رجعنا إلى الأصل وهو عدم الحرمة فلا وجه للقول بالكراهة لأنّه امر ثالث لا يقتضيه الأصل ولا الدّليل ولا ادلّة المسامحة لاختصاصها بالدّليل الضّعيف الدّالّ على النّدب
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 197 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي