البراءة عن الاشتغال اليقيني انّما تحصل بملاحظة الطّرق ولا تكليف الّا بها أو الواقع المستفاد منها فبعد تتبّعها وعدم وجدان محرّم غير ما ادّت إلى حرمته يقطع بالبراءة وذلك لأن عدم وجدان محرّم غير ما ذكر ممّا لا يحصل به الظّنّ فضلا عن القطع فلا بدّ لهم من القول بوجوب الاحتياط ثمّ انّ ما ذكره المص الأستاد ره مناف لما بنى عليه في غير موضع من كلماته من كون العلم الإجمالي منجزا للتّكليف ومقتضيا ليقين المكلّف بالامتثال والأولى في الجواب النّقض بالشّبهة الوجوبيّة للعلم الإجمالي بوجود واجبات كثيرة وهم قائلون بالبراءة فيها وممّا أجاب به المص ره في الدّرس تبعا للمحقّق القمّى في نظير المقام بل يخطر ببالي انّه أشار اليه في موضع آخر من الكتاب هو انّ أطراف العلم الإجمالي منحصرة في ما بأيدينا لا غيرها وفيه ما لا يخفى وقد ذكرنا في بعض تعليقاتنا على القوانين والفصول في مباحث التّخصيص ما يناسب المقام قوله سواء كان ذلك الدّليل سابقا اه أقول لا يخفى انّ هذا لا يتمّ في مثل ما لو علم بوقوع النّجاسة في أحد الإناءين على التّعيين بعد العلم الإجمالي إذ الظّاهر انّه لا اشكال في وجوب الاجتناب عن كلا الإناءين فيه لعدم تعيّن مورد الاجتناب شرعا بحيث يخرج غيره عن حكم الشّبهة وقد ذاكرت في ذلك بعض أفاضل المعاصرين فذكر قدّس سرّه انّ الشّيخ الأستاد ره انّما ذكر ما التفتنا اليه عند سؤال بعض التّلامذة وقال انّ ما ذكرنا انّما أردنا به ما إذا تعيّن طرف من أطراف الشّبهة بامارة شرعيّة لكون مؤدّاها بمنزلة الواقع وامّا إذا لم يتعيّن فلا يبقى كلّ من أطراف الشّبهة على حكمه وعلى هذا فيشكل الجواب الذي ذكره ره لعدم تعيين ادلّة الحرمة قدرا من أطراف الشّبهة لبقاء الاحتمال في حرمة غير ما دلّ الدّليل على حرمته فتدبّر قوله انّ الأصل في الأفعال الغير الضّروريّة اه أقول لا يقال هذا الاستدلال ينافي ما نقله المص ره عن الأخباريّة في غير موضع من كلامه من اتّفاقهم على قبح العقاب بلا بيان لانّا نقول انّ المستفاد من كلماتهم انّ الأصل الأولى بمقتضى النّظر إلى مرحلة حكم العقل من حيث هو هو الإباحة لكن الأصل الثّانوىّ بعد اكمال الدّين هو الخطر قال صاحب الفوائد التّمسّك بالبراءة الأصليّة من حيث هي هي انّما يجوز قبل اكمال الدّين واما بعد اكماله وتواتر الأخبار عن الأئمّة عليهم السّلم بانّ كلّ واقعة يحتاج إليها الأمّة إلى يوم القيمة وكلّ واقعة تقع فيها الخصومة بين الاثنين ورد فيها خطاب قطعىّ من قبله تعالى حتّى أرش الكف فلا إلى أن قال التّمسّك بالبراءة الأصليّة انّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذّاتيّين وكذلك انّما يتمّ عند من يقول بهما ولا يقول بالوجوب والحرمة الذّاتيّين وهو المستفاد من كلامهم عليهم السّلم وهو الحقّ عندي ثمّ على هذين المذهبين انّما يتمّ قبل اكمال الدّين لا بعده الّا على مذهب من جوّز من العامّة خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى لا يقال بقي أصل آخر وهو ان يكون الخطاب الّذى ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الأصليّة لأنّا نقول هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب وذلك لأنّ خطابه تعالى للحكم والمصالح ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة قد يكون ايجابا وقد يكون تحريما وقد يكون تخييرا وقد يكون غيرها لا يعلمها الّا هو ونقول الكلام في قبحه نظير ان يقال الأصل في الأجسام تساوى نسبة طبائعها إلى جهة السّفل والعلوّ ومن المعلوم بطلان هذا المقال انتهى ما أردنا من كلامه وسيأتي نقله بأزيد من ذلك في كلام المص ره وقد حذا حذوه الفاضل المحدّث حسين بن شهاب الدّين العاملي ره في كتابه المسمّى بهداية الأبرار على ما حكاه عنه بعض الأفاضل حيث قال واعلم انّ حكم البراءة بعد ثبوت صحّة أحاديثنا قليل الجدوى لانّ كلّ ما يعم به البلوى موجود فيها وترجيح العمل بالبراءة على ما لم يروه الثّقة الإماميّ منها غفلة منشأها عدم التّامّل لاجماع الأصوليّين على انّ أصل البراءة انّما يفيد الظّنّ لا غير وهذه الأخبار الّذى يطرحونها إذا عارضتها لا تقصر عن إفادة الظّنّ بمجرّدها فكيف إذا شهد لها مثل الكليني والصّدوق ره مع معرفتهما بحال رواتها في جرحهم وتعديلهم فلو لم يجزموا بصدقهم فيها لما حكموا بصحّتها فانظر بعقلك اىّ الظّنّين احقّ بالاتّباع ظنّ يستند إلى قول المعصوم عليه السّلم أو ظنّ يستند إلى قول فلان
وفلان ولقد ضيق على نفسه وعلى غيره من يطرح اعني كالشّهيد الثّانى ره الأحاديث الحسان والموثّقات إذا خالفت الأصل إلى أن قال فان قلت انّ الشهيد الأوّل ره قد صرّح في الذّكرى بانّ الأصل يفيد القطع فلا تعارضه اخبار المجروحين قلت لو صحّ هذا لبطل التّكليف لأنّ الخبر العدل الامامي غاية ما يفيده الظّنّ الغالب عندكم وهو لا يعارض اليقين فيجب طرحه عند المعارضة أيضا وأنتم لا تقولون بذلك فعدّ هذا القول غفلة من الشّهيد الأوّل أولى من جعله مذهبا إلى آخر ما قال ويرد عليهما ما لا يهمنا التّعرض له في المقام هذا ويظهر من بعضهم انّ الأصل الأولى هو الخطر وعليه فلا يتمّ التّوجيه وعبارة المص ره أيضا يرشد إلى ذلك فافهم قوله والجواب بعد تسليم اه أقول هذا الجواب انّما يمس باستدلال المستدلّ إذا كان مستند الأصل المذكور وجوب دفع الضّرر وامّا إذا كان مستنده قبح التّصرّف في مال الغير كما هو ممّا استند اليه بعضهم فلا مساس له به وقد يجاب عنه بما أشرنا اليه سابقا من النّقض بالشّبهة الوجوبيّة إذ لا فرق في ترتّب المفسدة على الفعل والتّرك وهو كالسّابق فما ذكرناه قوله إذا كان بعض الدّواعى النّفسانيّة اه أقول أورد عليه بانّ الدّواعى النّفسانيّة لا توجب ارتفاع قبح الارتكاب عند العقلاء مع انّ الحكم الإرشادي وان لم يصلح لترتّب العقاب على مخالفته لكنّه يصلح ان يكون مصحّحا للعقاب على الواقع وفيه انّ الضّرر إذا كان موافقا لغرض الدّاعى لم يترتّب على ايجاده قبح وذمّ ولذا ينعقد النّذر على افعال شاقّة منافية لاستراحة البدن واللّذة في الدّنيا مع انّ الشّارع رخص فيه في بعض الموارد كالجهاد الموجب لركوب الأموال ومقاساة الأحوال الّا ان يدفع بانّ ترخيص الشّارع جبران للضّرر لاستلزامه المنفعة الأخرويّة ولذا لا يشمله النّهى في قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
كما حقّقه السّيّد ابن طاوس ره في مقتله قوله انّ المحكى عن المحقّق التّفصيل اه أقول قد اشتهر النّسبة إلى المحقّق ره وقد اضطربت كلمات القوم في بيان مرامه وممّن حمل كلامه المذكور في كتابيه على التّفصيل صاحب الوافية في كلام طويل الذّيل قال في جملة كلامه في بيان عدم جواز التّمسّك بأصل البراءة فيما لا يعمّ به البلوى وعلى هذا فكيف