السّابقتين فانّ هذه الآية من متمّمات بيان القصّة المذكورة في الآيات السّابقة عليها وهي قصّة غزوة بدر بل هي غاية لها والغاية لا تفيد العموم ثمّ انّ صاحب الفصول استدلّ بهذه الآية على نفى الأحكام الأربعة بلا بيان على استشكال منه في دلالته على نفى الكراهة والعجب من الفاضل المعاصر حيث نسبه إلى الزّلّة الظّاهرة في الاستدلال على نفى الأربعة مع ما عرفت بالنّسبة إلى الكراهة وكانّه لم يلتفت إلى ما استشكله وأعجب منه انّه فرع دلالتها على نفى التّكليف الإلزامي على كلامه السّابق مع عدم اشتماله على ما يقتضى ذلك أو يشعر به قوله ويرد على الكلّ اه أقول قد يتوهّم التّدافع بين كلامه هذا وما سيأتي منه من انّ اخبار الاحتياط مورودة بالنّسبة إلى ادلّة البراءة عقلا ونقلا إذ مفادها وجوب الاحتياط لوجوب دفع الضّرر مع احتمال الهلكة فلا تنفع الّا فيما لم يكن هناك دافع للضّرر كما في صورة العلم الإجمالي أو عدم الفحص أقول كلماته ره في هذا المقام تنادى بانّ ادلّة الاحتياط واردة إذا تمّت دلالتها وثبت في مقام الشّكّ ما هو المناط في وجوب الاحتياط من احتمال الهلكة والوقوع في المضار وهو كذلك وامّا إذا لم تتم دلالتها ولم يحصل ما ذكره فادلّة البراءة واردة وهي بنفسها مانعة من خوف الضّرر فكلامه ره ثمّة بعد فرض عدم تماميّة اخبار الاحتياط بحيث تدلّ على وجوبه مع قيام ادلّة البراءة قوله لكنّ الأنصاف انّ غاية الأمر اه أقول قد يؤكّد الإشارة ويؤيّد الدّلالة بما رواه الشّيخ في التّهذيب عن الصّادق والعيّاشى عن الباقر ع قال سئل عن الجرى والمارماهي والزّمير وما ليس له قشر من السّمك حرام هو فقال لي يا محمّد اقرأ هذه الآية الّتى في الانعام قل لا أجد فيما أوحى الىّ محرّما على طاعم يطعمه فقال قرأتها حتّى فرغت منها فقال الصّادق عليه السّلم انّ الحرام ما حرّم اللّه ورسوله الخبر نعم يمكن الإيراد عليه بانّ عدم وجدان النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله غير عدم وجداننا فانّ عدم وجدانه صلّى اللّه عليه وآله لاحاطته وغزارة علمه يدلّ على عدم الوجود بخلاف عدم وجداننا مع انّه لو تمّ ففي صدر الإسلام لقلّتهم وظهور الحجّة عليهم فعدم وجدانهم دالّ على عدم الوجود بخلاف زمان غيبة الإمام ع مع ملاحظة قوله تعالى
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
الآية والأخبار الواردة في انّ في كلّ واقعة حكما مخزونا عند أهله حتّى أرش الخدش قوله ولذا قال في الوافية اه أقول اعترض على كلام صاحب الوافية بانّ مفاد الآية انّى لا أجد فيما أوحى الىّ من الأشياء الّتى بين لي حلّها وحرمتها محرّما الّا كذا وكذا وانّما لم يفصل الحلال بل فصّل الحرام لقلّة الثّانى وكثرة الأوّل فيعلم انّ ما يغايره من القسم الأوّل وهذا المعنى وان كان في الثّمرة وهي إباحة كلّ ما سوى المذكورات بعد الاستثناء كالمعنى الأوّل ولكنّه لا يفيد كون الإباحة هو الأصل المركوز في العقول بل يفيد انّ اللّه تعالى أباح ما سوى المذكورات فيثبت الإباحة الشّرعيّة وتنظر فيهم بعضهم بانّ ما ذكر انّما يناسب ما لو كان الكلام هكذا قل ليس فيما أوحى إلى وامّا قوله قل لا أجد فيشعر بانّ سبب الحمل عدم وجدانه لا البيان بالوحي وفيه نظر ظاهر ونقد أجاد البعض فيما ذكره في انتصار الوافية وهو انّ الخطاب انّما هو لمن لا يتديّن بالشّريعة فلا يحسن الرّدّ والانكار عليه الّا بثبوت الإباحة وكونها مركوزة في العقول فيكون المعنى انّ الأشياء باقية على أصلها الأوّلى المركوز في العقول الّا ما اخبر اللّه تعالى بحرمته فما لكم تخالفون المركوزات في العقول قوله وهذه تدلّ على انّه لا يجوز اه أقول هذا ممنوع بعد ملاحظة ما يستفاد من سائر الآيات والمخاطبات بالنّسبة إلى اليهود كقوله تعالى
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
وقوله تعالى
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ *
وقوله تعالى
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
فانّه يستفاد منها بل من نفس هذه الآية من جهة التّعرّض لذكر اسم اللّه وذكر التّحريم بالنّسبة إلى ما فصل ان تركهم للأكل انّما هو لاعتقادهم الحرمة فالذّمّ انّما هو على ذلك فلا يدلّ على عدم جواز تركه لمجرّد الاحتياط فافهم قوله ولا ريب انّ اللّازم اه أقول توضيحه انّ مورد الاحتياط هو صورة الشّكّ في الحرمة الواقعيّة ولازم تفصيل المحرمات لهم
وعدم كون المتروك منها العلم بعدمها وهو مورد الإباحة قطعا فهو خارج عن محلّ الكلام
[ واما السنة فيذكر منها في المقام اخبار كثيرة ]
قوله منها المروىّ عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله اه أقول روى في البحار على ما نقل عنه عن الصّادق عليه السّلم انّه قال رفع عن هذه الأمّة ستّة الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطرّوا اليه الحديث قوله رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة اه أقول فان قلت لا مانع من أن يكون المرفوع عن الأمّة بالنّسبة الّا ما لا يعلمون هو نفس الحكم لأنّ رفعه ممكن فلا حاجة إلى تقدير المؤاخذة وغيرها بالنّسبة اليه والحاجة إلى التّصرّف في بعض الفقرات لا تقتضى التّصرّف في البعض الأخر لعدم مقاومة الظّهور السّياقى للظهور اللّفظى كما ثبت في محلّه أجاب عنه المص الأستاذ ره في بعض كلماته على ما حكى عنه بانّه ان أريد من المرفوع الحكم الواقعىّ الشّأنى لزم التّصويب وان أريد منه الحكم المنجز الفعلي فلا شكّ في انّه عين الحكم الواقعىّ ليس الا غاية الأمر انّه يسمّى بالمنجّز بعد صلاحيّة المؤاخذة فيرجع الأمر بالأخرة إلى ملاحظة المؤاخذة فلا بدّ من تقديرها قوله ويمكن ان يورد عليه اه أقول ربّما يجاب عنه بانّ عدم معلوميّة الموضوع من جميع الجهات غير معقول لمعلوميّته ولو بعنوان انّه ملك زيد فلا بدّ ان يكون عدم المعلوميّة من جهة الحكم حتّى يصحّ الحكم بالرّفع فانّ رفع الشّارع لا يتعلق الّا بما يكون جعله من وظيفته وهو الحكم لا ذات الفعل وفيه انّ معنى الشّكّ ليس هو الشّكّ في الحكم بل في اندراج المشكوك فيه تحت عنوان معلوم الحكم فالايراد يبقى بحاله نعم يرد عليه انّه يلزم عليه تخصيص بلا مخصّص كما انّه يلزم أيضا إذا حمل ما لا يعلمون على الشّبهة الوجوبيّة على ما احتمله بعضهم وان كان يلزم من حمله على العموم أيضا التّقييد في الخبر من جهة وجوب الفحص في البناء على الإباحة الّا ان يهون هذا الخطب بكونه مشترك الورود نظرا إلى انّه ليس الحكم في كلّ محتمل الحرمة انه من الموضوعات الإباحة كما في الشّبهة المحصورة وربّما يتخيل انّ التّمسّك به من أصله فاسد إذ الظّاهر من عدم العلم انتفائه رأسا اجمالا وتفصيلا فلا يتم مفاده الّا بالنّسبة إلى الغافلين الّذين لا يعلمون شيئا مط ولا يشمل الشّاكّ الّذى هو موضوع البراءة إذ هو وان لم يكن عالما بحكم المشكوك فيه الّا انّه عالم بانّ له