كما هو الأشهر الحقّ هو الثّانى واحتجّ الأوّلون بما لا يفي بمقصودهم وهو بناء العقلاء في أمورهم من غير فرق منهم بين الضّرر المظنون والمشكوك بل الموهوم وفيه انّ المراد ان كان الاحتراز عن الضّرر الأخروىّ فلا معنى للاحتراز عنه لعدم وجوده بعد حكم العقل بقبح التّكليف بلا بيان وان كان الاحتراز عن الضّرر الدّنيوى كالمفاسد الكامنة في ذوات الأشياء فهو غير مسلّم ألا ترى انّهم ينسبون من يحترز عن الجلوس في قصر مشيد أو تحت حائط مستقيم إلى السرسام والبرسام وقد حكى ابن سينا انّ مبرسما من المبرسمين كان يفرّ من بلد إلى بلد ومن صقع إلى صقع آخر خوفا من أن ينهدم عليه الأفلاك مع انّا نقول انّ الاحتراز عنه غير ممكن إذ يلزم معه الوقوع في المحذور أو التّعطيل في الأمور على تقديرى ارتكاب غير الأمر المحذور وعدمه كما لا يخفى وممّا ذكرنا تعلم انا لا نلتزم بوجوب دفع الضّرر المظنون مط حتّى نلتزم بالاحتياط مع ظنّ التّكليف نظرا إلى ظنّ العقاب لما عرفت من عدم ظنّ الضّرر الاخروىّ مع ملاحظة ادلّة البراءة والضّرر الدّنيوى لا يكون الاحتراز عنه مسلما وان كان مظنونا كما في المكاسب المكروهة الّا في مثل الاعراض والنّفوس وهو ظاهر وسيأتي تفصيل المطلب
[ المقام الأول وهو حكم الشك في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة ]
قوله فيقع الكلام فيه في موضعين اه أقول ملخّص التّقسيم انّ الشّبهة امّا حكميّة أو موضوعيّة وعلى التّقديرين امّا ان يقع الشّبهة في التّكليف أو المكلّف به وعلى الثّانى امّا ان يدور الامر بين متباينين حقيقيين كالظّهر والجمعة أو حكميّين كالعينى والتّخييرى أو بين الأقلّ والأكثر الارتباطيّين فالأقسام ستّة الشّبهة الحكميّة في التّكليف والموضوعيّة فيه وهما في المكلّف به في المتباينين أو الأقل والأكثر الارتباطيّين وامّا الأقلّ والأكثر الاستقلاليّان فالشّبهة فيهما داخلة تحت الشّكّ في التّكليف كما إذا شكّ انّه مديون لزيد بألف أو الفين ثمّ انّ الأقسام المذكورة امّا ان يكون الشّكّ فيها ناشية عن فقدان النّصّ أو تعارض النّصوص أو اجمالها فيحصل ثمانية عشر قسما والشّبهة الحكميّة ثلاثة أقسام بالنّظر إلى طرفي الدّوران من الأحكام فيحصل سبعة وعشرون ومع ضمّ الباقي ستّة وثلاثون وقد عرفت في أوائل الكتاب انّ مورد الشّكّ في كلّ من قسمي الشّبهة اعني الحكميّة والموضوعيّة هو الحكم الّا انّ المراد في الأوّل هو الحكم الكلّى الصّادر من الشّارع وفي الثّانى هو الحكم الجزئىّ الغير المجعول ومنه يظهر المسامحة في عبارة المص ره هاهنا وثمّة وقد أشرنا إليها ثمّ أقول انّ هذا المقام الأوّل الموضوع لبيان الأصول الثّلاثة مرتّب على موضعين وخاتمة الموضع الأوّل في الشّكّ في التّكليف وهو مرتّب على ثلثه مطالب الأوّل في الشّبهة التّحريميّة وفيه اربع مسائل الأولى في ما لا نصّ فيه والثّانية في ما أجمل فيه النّصّ والثّالثة في ما تعارض فيه النّصّان والرّابعة في الشّبهة الموضوعيّة في الشّكّ في التّكليف والمطلب الثّانى في الشّبهة الوجوبيّة وفيه أيضا اربع مسائل على التّرتيب المذكور في المطلب الأوّل والمطلب الثّالث في دوران الأمر بين المحذورين وفيه أيضا اربع مسائل على التّرتيب المذكور أيضا والموضع الثّانى في الشّكّ في المكلّف به وفيه ثلاثة مطالب الأوّل في الشّبهة التّحريميّة وفيه اربع مسائل الأولى في الشّبهة الموضوعيّة والثّلاث الباقية في الشّبهة الحكميّة وقد بيّن حكمها ببيان اجمالىّ والمطلب الثّانى في الشّبهة الوجوبيّة وهو مرتّب على قسمين الأوّل في المتباينين وفيه اربع مسائل على التّرتيب المذكور والثّانى في الأقلّ والأكثر وهو مرتّب على قسمين الأوّل في حكم الجزء الخارجىّ والثّانى في حكم الجزء الذّهنى وهو على قسمين وفي كلّ من الأقسام اربع مسائل وقد بيّن مسائل الأوّل على التّرتيب المذكور وقاس عليها بيان مسائل الثّانى وبيّن مسائل الثّالث ببيان عامّ والمطلب الثّالث في دوران الأمر بين المحذورين والخاتمة في بيان شرائط العمل بالأصل وانّما تعرّضنا لبيان ترتيب مباحث هذا المقام لئلّا يختلط على الطّالب مباحث الشّبهة المتعلّقة بالتّكليف بمباحث الشّبهة المتعلّقة بالمكلف به بقسميهما الحكميّة والموضوعيّة كما ربّما يختلط على البعض من جهة تداخلهما في كتب الأصحاب وليكون على بصيرة من المطالب من اوّل الأمر
[ الموضع الأول الشك في نفس التكليف ]
[ المطلب الأول فيما دار الامر بين الحرمة وغير الوجوب ]
[ المسألة الأولى ما لا نص فيه ]
قوله أو اختصاص الخلاف في البراءة اه أقول هذا هو الأظهر في النّظر فانّ ادلّة البراءة كلّها ناظرة إلى نفى العقاب أو نفى الوجوب والتّحريم وليست ناظرة إلى نفى الاستحباب والكراهة وان لم يترتّب احكامهما عند الشّكّ فيهما كعدم ترتّب احكام الإباحة الخاصّة عند الشّكّ فيها غاية الأمر هي الحكم بالتّرخيص وامّا اختصاص التّكليف بالإلزام وعدمه فقد مرّ الكلام فيه قوله ومنشأ الشّكّ في القسم الثّانى اه أقول وامّا رفع الاشتباه فيها فيكون من وظيفة الشّرع بحسب التّاسيس بجعل طريق كلّى يكون ميزانا كاليد والبيّنة وغيرهما ممّا يكون مرجعه إلى الحكم الظّاهرىّ الكلّى في الموضوع الكلّى قوله وامّا عدم النّصّ اه أقول وفي حكمه وجود النّصّ الضّعيف الغير المعتبر والمراد من النّصّ مطلق الدّليل وان كان من الظّواهر قوله ومنه الآية المذكورة اه أقول إذ القراءتان فيها تجعلانها بمنزلة آيتين متعارضتين فانّه إذا قرء يطهّرن بالتّشديد يكون من التّطهّر الظّاهر في الاغتسال وإذا قرء بالتّخفيف يكون من الطّهارة الظّاهرة في النّقاء فينتفى وجوب الاعتزال بعد النّقاء وقبل الاغتسال على الثّانى ولا ينتفى الّا بعد الاغتسال على الأوّل فيتعارضان فلا بدّ من الرّجوع إلى القواعد المقرّرة في العلاج وقد مرّ الكلام في مسئلة تواتر القراءات مستقصى
[ احتج للقول الأول بالأدلة الأربعة ]
[ فمن الكتاب آيات ]
قوله قيل ودلالتها واضحة اه أقول كانّ القائل نظر إلى الحصر المستفاد من الآية حيث انّه يقتضى عدم التّكليف في صورة عدم الإيتاء والجهل الّتى هي مورد البراءة قوله فالمعنى انّ اللّه سبحانه لا يكلّف العبد اه أقول فيكون المراد بيان وجوب الإنفاق على المرضعة المطلقة من والد المرتضع بقدر ما وسعه وأمكنه حين ما قدر عليه رزقه كوجوب الإنفاق من السّبعة على ذي السّعة كما قال تعالى
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
الآية قوله وهذا المعنى اظهر وأشمل اه أقول وجه الاظهريّة ما أشار اليه من ايقاع التّكليف الّذى لا يكون متعلّقه الّا فعل المكلّف الشّامل للتّرك أيضا مع انّ هذه القضيّة بمنزلة التّعليل لقوله تعالى
فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ
فالمناسب ان يكون مصداق