الّذى يطابق البراءة لا الّذى يخالفه وقد يمثل المادّتى الافتراق بمثل ما إذا تيقّن الجنابة والغسل وشكّ في المتقدّم منهما فبالنّسبة إلى ما يكون الجنابة مانعة عنه كمسّ كتابة القرآن يجرى البراءة دون الاستصحاب الجنابة وبالنّسبة إلى ما يكون الطّهارة شرطا فيه كالصّلاة لا تجرى بل تجرى الاستصحاب ورد ذلك بانّ القاعدة الفقهيّة تقتضى عدم الفرق بين المانع والشّرط في التّوقّف على الطّهارة فلا يجرى البراءة فيهما مع انّ هذا خلط بين مقام حجّيّة الاستصحاب وعدمها ومقام جريانه وعدمه كما حصل هذا الخلط والاشتباه في كثير من الموارد الّتى سيأتي الإشارة إليها فعدم حجّيّة الاستصحاب هاهنا من جهة وجود المعارض غير عدم جريانه في ذاته مع وجود مجراه مضافا إلى امكان استصحاب عدم وجوب الغسل المتيقّن في أن من الآنات في ضمن أصل البراءة فهو مورد اجتماعهما والتّحقيق انّ النّسبة بينهما عموم مطلق فانّ الاستصحاب اعمّ مط لجريانه في الوجوديّات أيضا فلا وجه لحمل الأصل في المقام على الاستصحاب ويرد على الحمل على معنى الظّاهر والرّاجح انّه ان أريد انّه يترجّح عند العقل عند عدم الدّليل انّ الحكم الواقعىّ هو البراءة فهو باطل إذ ربّما لا يحصل الظّنّ بذلك في موارد البراءة وان أريد انّ الحكم الظّاهرى هو ذلك فهو كذلك أيضا لحصول القطع به لا الظّنّ الرّابع في بيان الفرق بين قاعدة البراءة وقاعدة عدم الدّليل دليل العدم فالمحقّق القمّى ره ذكر في الفرق بينهما انّ الثّانية لنفى الحكم عن الموضوعات العامّة والأولى لنفيه عن الموضوعات الخاصّة يعنى لنفى تعلّقه بخصوص ذمّة آحاد المكلّفين وتنظر فيه صاحب الفصول وكان وجه نظره انّها لا تقتضى نفى الحكم الواقعي ليرتفع عن الموضوعات العامّة ومنه يظهر انّ دعوى المحقّق المذكور الاتّفاق على اجراء تلك القاعدة ممّا ليس في محلّه سيّما إذا أريد اتّفاق الأخباريّة أيضا كما قد يستظهر من كلامه فانّ الأخباريّين لا يحكمون في محتمل التّحريم بالإباحة اللّازمة لاجراء القاعدة وامّا الأصوليّون فانّهم وان كانوا يجرون القاعدة في مواردها الّا انّه يظهر منهم الاتّفاق على ذلك بعد ما يراد نفى الحكم بالنّسبة إلى الواقع وكيف يتعقّل ذلك مع القول بتبعيّة الأحكام للصّفات وعدم جواز اخلاء الواقعة عن حكم وربّما يؤجّه كلامه ره بإرادة الاتفاق في صورة عموم البلوى بمعنى انّ عدم الدّليل فيما يعمّ به البلوى دليل لنفى الأحكام الأربعة عن الواقع ويشهد بثبوت الاتفاق في تلك الصّورة كلام المحدّث الأسترآباديّ المشتمل على استحسان ما اختاره المحقّق ره من التّفصيل وأنت خبير بانّ هذا التّوجيه لا يناسب أطراف كلامه كما يتّضح لمن تامّل فيها وممّا بيّناه يظهر فساد ما ذكره بعض الأواخر في الفرق بينهما من انّ القاعدة لنفى الحكم الواقعي والبراءة لنفى الحكم الظّاهرى فانّ مقتضى القاعدتين في أنفسهما ليس الّا النفي في الظّاهر لأنّ عدم العثور على الدّليل لا يوجب عدمه في نفس الأمر لجواز عدم وصوله اليه وفرّق بينهما صاحب الفصول بانّ القاعدة اعمّ من البراءة باعتبار جريانها في الاحكام الوضعيّة أيضا والبراءة اعمّ منها باعتبار جريانها في الموضوعات أيضا فالنّسبة بينهما عموم من وجه ولو خصّص البراءة بنفي الوجوب والتّحريم أو بنفي الأوّل كان الفرق اظهر وفيه ما لا يخفى فانّ تلك القاعدة ليس ممّا جعله الشّارع صريحا بل مدركها امّا ادلّة البراءة فتندرج فيها أو ادلّة الاستصحاب فتندرج فيه فيكفي بيان النّسبة بين البراءة والاستصحاب مئونة بيان الفرق بينهما وامّا الفرق بينهما بتخصيص التّفصيل بين ما يعمّ به البلوى وبين غيره كما صدر عن المحقّق ره بالبراءة دون القاعدة ليكون القاعدة اعمّ مط فمنظور فيه مبنى وبناء كما سيأتي الإشارة اليه نعم يمكن جعل البراءة اعمّ مط من جهة جريانها في الموضوعات بان يجعل الّذى يجرى في الأحكام الوضعيّة هو الاستصحاب لا القاعدة ان لم يقدح فيه بعض ما مر والتّحقيق عدم الفرق بينهما وانّ معناهما واحد كما يظهر اختياره من الشّهيد ره في الذّكرى كما حكى عنه الخامس في بيان الفرق بين اصلى البراءة والإباحة ووجه جعلهما عنوانين مع انّ الظّاهر كفاية عنوان الأوّل عن الثّانى في الأعميّة من جهة جريانه في الشّبهات الوجوبيّة أيضا فقيل في وجوه الفرق بينهما ما يقرب من عشرة منها انّ الثّانى انّما هو بالنّسبة إلى زمان الفترة والأوّل بالنّسبة إلى ما بعد ورود الشّرع وهو ضعيف جدّا لتكلّم الأصحاب عليه ولا يتكلّمون فيما لا ينفعنا أصلا ومنها انّ الأوّل انّما يطلق في مقام نفى
الوجوب والثّانى في مقام نفى التّحريم لظهور الأوّل في نفى التّكليف الظّاهر في الوجوب إذ الكلفة انّما هي في الأمر الوجودي لا العدمي وأورد عليه بانّ تخصيص عنوان البراءة بالوجوب لا وجه له مع انّ الغرض هو الرّدّ على الأخباريّة الّذين يكون كلامهم في الشّبهة التّحريميّة فلا بدّ ان يخص العنوان بالحرمة أو يجعل اعمّ مضافا إلى منع اختصاص الكلفة بالوجوب لحصول الكلفة في مقام الالتزام والتّقيد مط فالتّكليف يشمل الوجوب والتّحريم بل النّدب والكراهة أيضا على ما ادّعاه بعض الأفاضل غاية الأمر انّ التّكليف بالمعنى اللّغوىّ لا يصدق عليهما فيجرى البراءة في كلّ واحد منها وممّن سلك هذا المسلك هو الشّهيد الثّانى ره في كتاب الحجّ من الرّوضة والسّيّد المحقّق الكاظمي في شرح الوافية وان أورد عليه بانّ المتبادر من لفظ البراءة هو البراءة من الحقوق الواجبة من حقوق اللّه وحقوق النّاس ويشهد بذلك امثلتهم لها المذكورة في كتبهم فالاعمّ الشّامل للكلّ هو قاعدة عدم الدّليل دليل العدم ومنها انّ أصل البراءة اعمّ من أصل الإباحة إذ الأوّل يجرى في نفى الوجوب والتّحريم والثّانى يختصّ بالثّانى بل لا يطلق الّا فيما يتعلّق منه بالأفعال وامّا ما يتعلّق منه بالأعيان فيقال له اصالة الحلّيّة أو اصالة الطّهارة ومنها انّ الأوّل يجرى فيما يحتمل الإباحة وما لا يحتملها سواء كان عدم الاحتمال لنفسه كما في العبارة أو لقيام دليل عليه بالخصوص كما في الدّخول في سوم المؤمن بخلاف الثّانى فانّه يختصّ بالأوّل ومنها انّ الثّانى يحكم بالإباحة الظّاهريّة والأوّل لا يحكم بها إذ لا يقتضى الّا مجرّد نفى العقاب والتّحقيق ان يقال انّ عنوان أصل الإباحة انّما هو مع قطع النّظر عن الحكم الشّرعى وامّا البراءة فانّما يراد بها الحكم الشّرعىّ بعد عدم ورود حكم خاصّ من الشّرع والحاصل انّه يبحث في الأوّل عن حكم العقل وفي الثّانى عن حكم الشّرع السّادس في بيان اجمالي في الأصل في المشتبهات فهل الأصل فيها الاحتياط كما ذهب اليه جماعة أو البراءة
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 177
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص١٧٧