والمطالب النّظريّة المتداولة بينهم مع اتّفاق الكلّ على تعدّد الحكم الظّاهرىّ بحسب تعدّد آراء المجتهدين واختلافه بحسب اختلاف ظنونهم للإجماع على وجوب اخذ كلّ منهم بظنّه وعدم جواز اخذه بقول غيره فكلّ ذلك يكشف عن انّ اختلافهم انّما هو بالنّسبة إلى الحكم الواقعىّ الثّابت في نفسه مع قطع النّظر عن ثبوته في حقّه بخصوصه أو في حقّ مقلّده فلا يكون الأحكام الفقهيّة الّا بالنّظر إلى الواقع فهي الّتى مراد استنباطها من الأدلّة التّفصيليّة فهي لها لا لغيرها الّا انّه يندفع بانّ وقوع الخلاف في المسائل الفقهيّة وكون المقصود حين الاستدلال هو الوصول إلى الواقع أو إصابة ما هو مقتضى الأدلّة الموجودة لا يقضى بكون الملحوظ في صدق الفقه هو الاحكام الواقعيّة بل لمّا كان ثبوت الحكم في الظّاهر منوطا بظنّ موافقته للواقع أو مقتضى الأدلّة أو القطع بها مع امكانه كان الملحوظ حال الواقع أو مؤدّى الدّليل وان كانت من حيث وجوب الأخذ بها فقها ومعلومة للفقيه فالجهة الأولى هي الاجتهاد وهي متقدّمة على الجهة الثّانية الّتى هي جهة الفقاهة وبهذا ينكشف النّقاب عن وجه قولهم ظنّيّة الطّريق لا ينافي قطعيّة الحكم فافهم قوله على انّ ذلك انّما يتمّ اه أقول حاصله انّ الأصول الّتى يكون حجّيّتها من باب التّعبّد الشّرعى كالاستصحاب بناء على اعتباره من باب الاخبار والبراءة كذلك كما هو مذهب بعضهم لا يكون الدّليل الظّنّى القائم على خلافها واردا عليها لبقاء موضوعها لأنّ المراد من الشّكّ المأخوذ في مواردها هو معناه الأعمّ الشّامل لصورة الظّنّ بالخلاف كما سيأتي بيانه لكنّه حاكم عليها لدلالة ما دلّ على اعتباره على كون المراد من الشّكّ غير ما قام الدّليل فيه على خلاف الأصل وامّا الأصول العقليّة المحقّة كالاشتغال والبراءة بناء على كون حجّيّتهما من جهة حكم العقل وكون الأخبار الواردة فيها من باب التّقرير والإمضاء وكالتّخيير حيث انّه لم يستند إلى دليل شرعىّ أصلا والتّخيير الشّرعى انّما هو من الأدلّة الاجتهاديّة لا الأصول فيكون الدّليل واردا عليها مط علميّا كان أو ظنّيا لأنّ موضوعها عدم البيان فيرتفع بورود الدّليل وان كان ظنّيّا نعم للاستصحاب على القول باعتباره من باب حكم العقل جهة خصوصيّة يأتي الإشارة إليها إن شاء الله اللّه تعالى قوله واعلم انّ المقصود اه أقول وذلك لأنّ وزان الأصول الموضوعيّة في سنخ الأصول وزان الأمارات في سنخ الأدلّة كما ذكرناه في اوّل الكتاب فهي لتشخيص الموضوعات فالحكم المشخّص بها أيضا جزئىّ ليس من شأن الشّارع بيانه حتّى يكون المشخّص له دليلا شرعيّا إذ من المحقّق في محلّه انّ الدّليل الشّرعىّ هو ما على الشّارع بيانه وهو الحكم الكلّى كما لا يخفى قوله ثمّ انّ انحصار موارد اه أقول الحصر امّا عقلىّ وهو الدّائر بين النّفى والأثبات وامّا جعلىّ يدور على جعل الجاعل بحسب كلّ اصطلاح وامّا استقرائىّ يحصل من تتّبع الموارد واستقرائها والحصر هاهنا من القسم الأوّل وقد تقدّم بيانه في اوّل الكتاب وتقدّم دفع توهّم اختلاله ببعض الأصول الأخر وربّما يأتي الإشارة اليه فيما سيجيء أيضا قوله والثّانى هو مورد التّخيير اه أقول قد يورد عليه بصورة دوران الأمر بين الوجوب والحرمة واحد الثّلاثة الباقية وربّما يعتذر بانّ المقصود بيان موارد تصلح لأن يحكم فيها بالتّخيير في مقابلة ما لا تصلح له فتامّل قوله ثمّ انّ تمام الكلام في الأصول الأربعة اه أقول قبل الخوض في المطلب ينبغي رسم أمور لها دخل في المقام الاوّل انّ القوم ذكروا الأصول الأربعة في باب الأدلّة العقليّة مع عدم انطباق تعريف الدّليل العقلىّ عليها وهو كلّ حكم عقلىّ يتوصّل به إلى حكم شرعىّ فانّ الأظهر من بينها البراءة ولا يتوصّل بها إلى حكم شرعىّ إذ لا تفيد أزيد من رفع العقاب وهو ليس من الأحكام الشّرعيّة لانحصارها في الخمسة المعروفة أو فيها وفي الوضعيّة وبالجملة نفى الحكم ليس بحكم فان قيل نفى الحرمة يوجب الإباحة وهي من الاحكام الشّرعيّة قلنا اوّلا انّ نفى الحرمة اعمّ من الإباحة لاجتماعه مع غيرها وثانيا انّه أصل ثبت ولا عبرة به كما سنحقّقه وكذا الاشتغال والاحتياط فانّ الإتيان بالمحتملات انّما هو حكم العقل من باب الإرشاد لا من باب الحتم ليتوصل به إلى الحكم الشّرعى فان قيل ما الفرق بين الضّرر الدّنيوى والأخروى حيث انّ الإرشاد في الأوّل يترتّب عليه الحكم ككون السّفر معصية يجب فيه اتمام الصّلاة في صورة الخوف الّذى يحكم العقل بالاحتراز عنه دون الثّانى قلت الحاكم في الأول
هو الشّرع فهو خارج بالدّليل مع امكان الفرق بانّ الثّانى لا يصلح للتّرتّب عليه إذ لا معنى لترتيب العقاب على عدم التّحرّز عن العقاب لعدم تعقّل تعدّده بخلاف ترتيب العقاب الأخروى على عدم التّحرّز عن الضّرر الدّنيوىّ وكذا الاستصحاب فانّه يشكل تطبيق التّعريف عليه وسيأتي الكلام فيه وكذا التّخيير لانّ مآله إلى الاحتياط فهو من باب الحكم العقلىّ الإرشاديّ بل ذكر السّيّد صدر الدّين ره في شرح الوافية انّه لا حكم للعقل أصلا وكلّ ما كان من هذا القبيل في بادي النّظر هو ادراك له وقد يتكلّف لتطبيق التّعريف على المذكورات ويقال انّ البراءة تثبت الحكم الشّرعى بالواسطة والتّوصّل بالواسطة توصل ونفى الحرمة وان لم يكن حكما شرعيّا حقيقة لكنّه حكم شرعىّ عند العرف وكذا الاشتغال من جهة التّوصّل به إلى الارشادى الشّرعى لا الحتمي منه وكذا الاستصحاب باعتبار احدى مقدّميته وكذا التّخيير لرجوعه إلى الاحتياط فهو مثله وامّا على القول باوّل التّخيير إلى إباحة أحدهما فيرتفع الأشكال رأسا لأنّه حكم شرعىّ أقول ما يستقلّ به العقل في الإدراك على اقسام ثلاثة أحدها ما يكون العقل مستقلّا فيه من جهة الحكم والمحكوم به بمعنى انّ كلا من الاستفادة والمستفاد يكون اصليّا كإدراكه قبح الظّلم والعدوان وحسن العدل والإحسان وثانيها ما يكون الاستفادة فيه تبعيّة والمستفاد اصليّا ومثّلوا له بقبح النّظر في المرأة أو شبهها إلى الأجنبيّة حيث انّ العقل بعد ملاحظة خطاب الشّرع بانّ النّظر إلى الأجنبيّة محرّم يحكم بحرمة النّظر على هذا الوجه أيضا لاتّحاد المناط القطعىّ ومن هذا الباب قضيّة أبان المشهورة وثالثها
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 175
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص١٧٥