اعتباراتهما بعث عليهما والفرق بينهما في كمال الوضوح فانّ الحكم بالامتثال في الثّانى انّما يكون مع بقاء الغفلة والجهل وامّا بعد ظهور الحال فلا امتثال لما هو مطلوب الأمر بل يرجع إلى التّكليف الأوّل فإن كان الوقت باقيا وجب الإعادة بمقتضى الأصل لبقاء التّكليف ووجوب الامتثال وان كان فائتا وجب القضاء لو دلّ الدّليل على وجوبه لصدق الفوات حينئذ وقد مرّ الكلام في تحقيق اقتضاء الامر الظاهرىّ للأجزاء وعدمه فراجع وممّا بيّناه تعرف انّ ما ذكره في الفصول في مقام التّعريف انّ الحكم الواقعي هو الحكم الشّأنى الّذى لا يعتبر في موضوعه واحد من الإدراكات والحكم الظّاهرى هو الفعلىّ الّذى يعتبر في موضوعه ذلك من قبيل ذكر اللّازم في مقام الملزوم فافهم ثمّ انّه لا ينبغي توهّم انّ المواضع الّتى يكون موضوع الحكم فيها نفس العلم كان يقال معلوم النّجاسة نجس يكون الأحكام فيها من الاحكام الظّاهريّة فانّ التّحقيق انّها احكام واقعيّة إذ المعتبر في الحكم الظّاهرىّ هو اخذ أحد الادراكات فيه قيدا أو جزءا وقد جعل العلم هاهنا نفس الموضوع لا قيدا له ولا جزءا أيضا ثمّ انّ مراتب الأحكام الظّاهريّة مختلفة فقد يكون ظاهريّا بالنّسبة إلى حكم وواقعيّا بالنّسبة إلى آخر وذلك كاستصحاب نجاسة العصير فانّه حكم ظاهرىّ بالنّسبة إلى حكمه الواقعىّ من الطّهارة والنّجاسة وحكم واقعىّ بالنّسبة إلى اصالة البراءة وهذا هو السّر في تقديم الاستصحاب على البراءة كما سيأتي تحقيقه وامّا توهّم كون الاستصحاب أو غيره من الأصول عند القائلين بحجّيتها من باب الوصف كاشفا عن الواقع فيكون مؤدّاها من قبيل الحكم الواقعىّ فهو ممّا لا ينبغي الاعتناء به لظهور انّ الظّنّ الحاصل من الأصول على القول المذكور ليس كالظّنّ الحاصل من الأدلّة فانّ الظّنّ الحاصل من الأدلّة ابتدائىّ غير مسبوق بالشّكّ بخلاف الحاصل منها وأنت إذا أحطت خبرا بمعرفة القسمين من الحكم تعرف الفرق بين مرحلتي الاجتهاد والتّفقّه ومنزلتي المجتهد والفقيه قوله ويطلق عليه الواقعىّ الثّانوىّ اه أقول ربّما يطلق هذا اللّفظ على معنى آخر غير ما ذكر قال بعض الأفاضل انّ الدّليل الاجتهادي هو ما يلاحظ فيه الأمر بالنّسبة إلى مرحلة الواقع وان لم يكن أوليا على طبق الحسن والقبح الواقعيّين المساوقين للجعل الاوّلى بمعنى ما يلاحظ فيه صدور الحكم بالخصوص أو العموم الغير الموصل إلى بيان حال العجز والحيرة وذلك كما في العقل القاطع ممّا يرجع إلى قاعدة التّحسين والإجماع المحقّق والمتواتر المعنوىّ والكتاب القطعىّ الدّلالة من الادلّة القطعيّة المصيبة المصادفة للحكم الواقعىّ بالمعنى الأعمّ الشّامل لما صدر في مقام التّقيّة وكما في الخبر المتواتر والكتاب الظّنّى الدّلالة من الادلّة القطعيّة بحسب الصّدور المحتملة للإصابة والمصادفة لما ذكر وكما في ظنّى الصّدور ومحتمل المصادفة لما ذكر فيحصل بملاحظة ما على طبق التّقية وغيره طرق ستّة يقطع في الأوّل منها بانّ الحكم على طبق الحسن والقبح الواقعيّين وفي الثّانى بانّ الحكم في مقام التّقيّة هو هذا وفي الأربعة الباقية يظن بهما فلك تسمية الأوّل بالواقعىّ الأوّلى والثّانى بالواقعىّ الثّانوىّ وما في الباقي بالظّاهرىّ الأوّلى ان لوحظ الأمر بالنّسبة إلى ما يكون على طبق الحسن والقبح وبالثّانوى ان لوحظ الأمر بالنّسبة إلى التّقيّة انتهى وهو اصطلاح جديد لم يسبقه اليه غيره وقد لوحظ فيه قطعيّة الدّليل وظنّيّته والّا فلا شكّ انّ الملحوظ في الكلّ مرحلة الواقع قوله كما انّ الأوّل قد سمّى بالدّليل مقيدا بالفقاهتى أقول قد اصطلح الفاضل الصّالح في شرح الزّبدة على تسميته بالدّليل الفقاهتى وتسمية الدّليل الدّالّ على الحكم الواقعىّ بالدّليل الاجتهادى وساع هذا الاصطلاح من زمن الوحيد البهبهاني ره ووجه التّسمية بهما ظاهر فانّ الاجتهاد هو مرحلة تحصيل الظّنّ بالحكم الواقعي والتّفقّه هو مقام الالتزام بما ادّى اليه النّظر في الأدلّة أو بعد اليأس عنها كما في صورة العمل بمؤدّى الأصول قوله وكذلك اطلاق الخاصّ على الدّليل اه أقول وذلك لاشتراط وحدة الموضوع في العامّ والخاصّ وتعدّده هنا فان قيل هذا ينافي ما ذكره في مسئلة تعارض الأدلّة من كون الخاصّ واردا على اصالة الصّحّة في العام أو حاكما عليها قلت يمكن دفعه بما ذكره بعض الأفاضل من انّ ما ذكره هنا مبنىّ علىّ ملاحظة موضوع العامّ وما ذكره ثمّت مبنىّ على ملاحظة حال الظّهور في العامّ الكاشفة عن إرادة العموم وان كاشفيّتها محتملة إذا لم يكن في مقابلة خاصّ فتدبّر قوله وهذا أخص
من دليل أصل البراءة اه أقول وذلك لكون مورد الأصل ما لم يعلم سواء قام الأمارة الغير العلميّة فيه أم لا قوله وكون دليل تلك الأمارة اه أقول ملخّصه انّ النّسبة في المقام من قبيل العموم من وجه لا العموم مط لشمول دليل الأمارة كلّ ما قام عليه الأمارة الغير العلميّة سواء كان موردا لأصل البراءة أم غيره من الاشتغال والتّخيير وغيرهما وسيأتي انّه لا بدّ في التّعارض بالعموم من وجه التّرجيح لا التّخصيص وجوابه ظاهر فانّه بعد قيام الاجماع يكون من قبيل العموم المطلق بحسب الحكم وان لم يكن كذلك بحسب الموضوع قوله ولذا اشتهر اه أقول اى لما مرّ من عدم إفادة دليل الأمارات الغير العلميّة الّا للحكم الظّاهرى قوله انّ علم المجتهد بالحكم اه أقول قد يقال انّ الأدلّة التّفصيليّة وان لم تكن مفيدة لليقين بملاحظة أنفسها الّا انّها بملاحظة الدّليل القاطع أو المنتهى إلى القطع القاضي بحجّيّتها تفيد اليقين قطعا من غير حاجة إلى ملاحظة الدّليل الإجمالي بل ذلك الدّليل الإجمالي اجمال لذلك التّفصيل فيصحّ تعريف الفقه بانّه العلم بالأحكام اى الأحكام الظّاهريّة عن ادلّتها التّفصيليّة نعم يرد حينئذ الأشكال من جهة أخرى وهي انّ الأحكام المستفادة على وجه اليقين من الأدلّة التّفصيليّة إذا كانت هي الاحكام الظّاهريّة فلم كان الفقهاء من الصّدر الأوّل سلفا عن خلف يخطئ بعضهم بعضا ويخالف بعضهم آخر ويقيم كلّ منهم الدّليل على اثبات مطلوبه وابطال مطلوب صاحبه ومن البيّن انّ ما اختلفوا فيه هو المسائل الفقهيّة والفقه اسم لتلك المسائل
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 174
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص١٧٤