[ المقصد الثالث في مباحث البراءة والاحتياط ]
[ مقدمة ]
قوله وامّا الشّك فلمّا لم يكن فيه كشف اه أقول لا يمكن الطّريقية والمرآتية في الشّكّ وهو وان كان كالبديهىّ الّا انّه يمكن الاستدلال عليه وتقريره من وجوه أحدها انّ الشّكّ عبارة عن تساوى الاحتمالين وتحاذيهما كما في تحاذى كفتى الميزان ففرض طريقيته امّا بالنّسبة اليهما معا أو بالنّسبة إلى أحدهما المعيّن أو أحدهما المبهم والكلّ باطل امّا الاوّل فللزوم ايصال الطّريق إلى المتضادّين بل المتناقضين وامّا الثّانى فللزوم التّرجيح بلا مرجّح وامّا الثّالث فظاهر لانّه مع ظهور فساده ينافي طريقيته إذ لا يتعقل الكشف عن المبهم وهذا أقبح ممّا ذهب اليه المصوّبة في الاحكام والأشاعرة في الواجب التّخييرى كما لا يخفى ثانيها انّ المشكوك إذا ترجّح أحد احتمالي وجوده وعدمه يقال للرّاجح الظّنّ وللمرجوح الوهم ولا شبهة في ترجيح الظّنّ على الوهم لظهور تقدّم الرّاجح على المرجوح فلو ترجّح أحد الاحتمالين مع فرض تساويهما لزم مساواة الشّكّ للظّنّ والوهم ويلزم منه مساواة الوهم للظّنّ واللّازم بديهىّ البطلان ثالثها انّ الشّكّ راجع بالحقيقة إلى الإمكان فمآل الشّكّ في قيام زيد وعدمه إلى امكانهما معا في نظر الشّاكّ وقد تقرّر في محلّه انّ الممكن ما لم يرجّح أحد طرفيه ان يترجّح فان أوجب وجوده علّة الوجود ترجّح وجوده والّا فيكفي في بقائه على العدم عدم علّة الوجود لأنّ عدم العلّة علّة العدم ولذا ذكروا انّ الشّيء الموجود أمكن فأوجب فوجب فاوجد فوجد وبالجملة لا يترجّح أحد طرفيه الّا مع وجوبه ولا يجب الّا بموجب فان قيل إذا كان مآله إلى الإمكان فيجرى فيه ما ذكره بعضهم من امكان ترجّح أحد طرفيه بلا مرجّح من الخارج قلت اوّلا انّ القائلين بعدم احتياجه إلى المرجّح بين قائل بالبحث والاتّفاق وبين قائل بالأولويّة الذّاتيّة أو الخارجيّة امّا الأوّل فبطلان مذهبه عند المحقّقين من البديهيّات الاوّليّة الّتى لا تحتاج إلى برهان ولا إلى تنبيه وبيان وامّا الثّانى فمع الإغضاء عمّا ذكروه في ابطاله لا يجرى هنا لأنّ مبنى اثبات الأولويّة الذّاتيّة هو انّ الممكن ما لا يقتضى بذاته الوجود ولا العدم بحيث يكون واحد منهما ضروريّا له ولا ينافي ذلك كونه أولى بالنّظر إلى ذاته الأولويّة غير بالغة إلى حدّ الضّرورة ولا شكّ انّ المشكوك لا يلزم في خروجه عن حدّ التّساوى كون أحد الطّرفين بالغا إلى حدّ الضّرورة إذ يزول بالظّنّ كما يزول بالقطع فلا يتعقّل فيه الاولويّة الغير البالغة إلى حدّ الضّرورة أيضا كما لا يخفى ومنه يظهر عدم معقوليّة الأولويّة الخارجيّة فيه أيضا على فرض كفايتها مع انّ الشّكّ متعلّق باعتقاد المكلّف ولا دخل له بالوجود النّفس الأمرى وثانيا انّ طرفي الاحتمال في الإمكان هو الوجود والعدم بخلاف الشّكّ إذ ربّما كان متعلّقه الوجوديّين كالوجوب والحرمة مثلا فلا يتمشّى فيه ما ذكره جلّ القائلين بالأولويّة من اولويّة العدم نظرا إلى عدم حاجته في الحصول إلى سبب أو قلّة حاجته لحصوله بانتفاء شيء من اجزاء العلّة التّامّة للوجود فافهم وكيف كان فقد ظهر انّ توهّم الطّريقيّة في الشّكّ كما صدر عن بعض القاصرين حيث ذهب إلى كون الشّكّ في موارد الأصول طريقا توهّم بارد بل تخيّل فاسد فالحكم الوارد من الشّارع في موارد الشّكّ كالبراءة أو الاحتياط يكون الشّكّ موضوعا له لا طريقا إلى المشكوك وممّا حقّقناه ظهر انّ الوهم لا يكون طريقا أيضا كالشّكّ بل بالأولويّة قوله كان حكما ظاهريّا اه أقول تفصيل الكلام في هذا المقام انّ الحكم امّا واقعىّ أو ظاهرىّ والأوّل هو الّذى كلّفنا به أولا لولا الجهل المانع من تعلّق التّكليف سواء كان اختياريّا أو اضطراريّا والثّانى هو الّذى يجب علينا البناء عليه والتّعبّد به في ظاهر الشّرع بمقتضى الأدلّة الشّرعيّة سواء علمنا مطابقته للأوّل أو ظنناه أو شككنا فيه أو ظنّنا خلافه أو علمناه وبعبارة أخرى الأوّل هو الّذى لا يعتبر في موضوعه ومتعلّقه علم ولا ظنّ ولا شكّ جزءا وقيدا شطرا أو شرطا كوجوب الصّلاة فانّ موضوع الوجوب وهو الصّلاة لم يعتبر الشّارع فيه شيئا من الادراكات المذكورة والثّانى هو الّذى يعتبر في موضوعه ذلك فالنّسبة بينهما عموم من وجه على مقتضى صريح العبارة الأولى وظاهر الثّانية ويظهر من المص الأستاد ره في بعض كلماته انّ الحكم الظّاهرىّ يطلق على امرين أحدهما الحكم المجعول للشّكّ اعمّ من أن يكون اعتبار الشّكّ فيه على وجه القيديّة أو الظّرفيّة وثانيهما الحكم المجعول له مع اعتباره على
الوجه الأوّل والثّانى اخصّ من الأوّل لاختصاصه بموارد الأصول والأوّل مثل مفاد الأمارات أيضا وأكثر اطلاقات المص ره في هذا الكتاب من قبيل الثّانى وممّا بيّنّاه يظهر لك انّ الحكم الواقعي يلزمه ويتبعه أمران أحدهما عدم التنجّز في حقّ المكلّف الّا بعد العلم لاشتراط التّكليف عقلا بأمور هو منها فما لم يحصل شرائط الفعليّة يسمّى حكما شأنيّا ومعلّقا وبعد حصولها يسمّى فعليّا ومنجّزا فالشّأنيّة والفعليّة من أوصاف الحكم الواقعىّ الطّارية عليه وثانيهما عدم التّبدّل كتبدّل وجوب الصّلاة بحرمتها لابتنائه على المصالح والمفاسد النّفس الأمريّة فان كانت شيء منها موجودة لم يعقل التّبدّل والّا فلم يعقل الحكم فان قيل الأحكام الظّاهريّة أيضا مبتنية على المصالح والمفاسد النّفس الأمريّة بالنّسبة إلى موضوعاتها فالخاصّة المذكورة لا تختصّ بالحكم الواقعىّ إذا كان مبناها ما ذكر مع انّه يتّجه حينئذ ان يقال انّه لا فرق بين المصوّبة والمخطّئة إذ المفروض مطابقة الحكم الظّاهرىّ بالمعنى الأعمّ للواقع وان كان مخالفا للحكم الأوّلى غاية الأمر ان يكون حكما ثانويّا ولا شكّ انّ الأحكام الواقعيّة ليست كلّها اوّليّة لاختلاف الأحكام الواقعيّة باختلاف الأحوال كالقدرة والعجز والصّحّة والمرض والحضر والسّفر وغيرها من الأمور الطّارية على المكلّف قلنا فرق بين الأمرين فانّ مطلوب الشّارع حقيقة هو الحكم الأوّلى وانّما تعلق التّكليف بالثّانوى نظرا إلى الاشتباه توضيحه انّ كلّ حكم فهو منبعث عن حسن أو قبح لكنّهما في الأوّل مستندان إلى نفس الفعل امّا بملاحظة ذاته أو سائر اعتباراته ولو بانضمام تعلّق الأمر والنّهى به وفي الثّانى عارضان من جهة اشتباه المكلّف وعدم علمه بالواقع من غير أن يكون لنفس الفعل أو التّرك مثلا أو بعض