إلى حدّ الحرج تبعد عن الطّاعة وتقرب إلى المعصية بكثرة المخالفة ولأنّ اللّه تعالى ارحم بعباده وأرأف من أن يكلّفهم ما لا يحتملونه من الأمور الشّاقّة وقد قال اللّه سبحانه
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
انتهى وفي طرف التّفريط من هذا المسلك ما سلكه المحدّث البارع الحرّ العاملي ره في كتابه المسمّى بالفصول المهمّة حيث قال بعد نقل طائفة من الأخبار النّافية للحرج أقول نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا التّكليف بما لا يطاق والّا لزم رفع جميع التّكاليف انتهى ويمكن ان يكون مراده انّه من قبيل الأصول الأوّليّة الغير المقاومة لمعارضة دليل من المنجّزات وان كانت من قبيل العمومات والإطلاقات كأصل الإباحة وأصل البراءة كما قد يستظهر من كلام غيره كصاحب القوانين وغيره لكنّ المتامّل في عبارة القوانين يجد فيه التّصريح بخلافه والّذى أوقع هذا الاختلاف بينهم ورود الأشكال في المقام من وجهين الأوّل ما يشاهد من التّكاليف الشّاقّة والأحكام الصّعبة الّتى يعدّها العرف عسرا وحرجا وصعبا كالتّكليف بالصّيام في حرّ الهاجرات وحمّازة القيظ والحجّ والجهاد والأمر بالقرار وعدم الفرار من القتال والطّهارة بالمياه الباردة في صبّارة القر سيّما في الأسفار والصّعب الأصعب هو الجهاد الأكبر مع جنود إبليس والنّفس الأمّارة بالسّوء وتخلية النّفس عن الرّذائل وتحليتها بالفضائل إلى غير ذلك من المشاق والثّانى ما يشاهد من انّ الشّارع الرّءوف لم يرض في بعض التّكاليف بأدنى مشقّة كما يتراءى في باب التّيمّم وغيره ومع ذلك لم يسقط التّكليف في كثير من الموارد بأكثر واشدّ من ذلك كما يلاحظ في صلاة المريض على مراتبها المرتبة من الاعتماد والقعود والاضطجاع والاستلقاء إلى أن ينتهى إلى الإشارة القلبيّة وقد تفصى السّيّد المحقّق المتقدّم عن الأشكال بما بنى عليه من انّ القاعدة لا تقبل التّخصيص فذكر بعد بيان القاعدة بما نقلناه عنه وامّا ما ورد في هذه الشّريعة من التّكاليف الشّديدة كالحجّ والجهاد والزّكاة بالنّسبة إلى بعض النّاس والدّية على العاقلة ونحوها فليس شيء منها من الحرج فانّ العادة قاضية بوقوع مثلها والنّاس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض كالمحارب للحميّة أو بعوض يسير كما إذا اعطى على ذلك اجرة فانّا نرى انّ كثيرا يفعلون ذلك بشيء يسير إلى آخر ما قال وتفصى المحدّث المذكور بما عرفت وهاهنا وجوه أخر في حلّ الأشكال ذكرها بعض الأواخر لا نطيل بذكرها لكونها خارجة عن أصل المقصد قوله وثانيا سلّمنا امكان ذلك اه أقول توضيحه انّ الباعث على الحكم بامتناع ذلك هو لزوم اجتماع المتنافيين وهما العلم الإجمالي والظّنّ الشّخصىّ التّفصيلى على خلافه فإذا أريد الحكم بامكانه فلا بدّ امّا من منع لزوم اجتماعهما أو منع التّنافى بينهما بعد تسليم لزوم الاجتماع والأوّل يحصل بوجهين أحدهما التّصرّف في جانب ادلّة نفى الحرج والآخر التّصرف في جانب ظنون المجتهد في المسائل الفرعيّة فالعلاج بأحد أمور ثلاثة الأوّل انّ الظّنون الحاصلة في المسائل الفرعيّة بالاجتهاد ظنون نوعيّة لا شخصيّة وهي لا تنافى العلم الإجمالي بما يخالفها وعدم مطابقة بعضها للواقع فانّ معنى الظّنّ النّوعى ان يكون من شان الأمارة بحسب نوعها إفادة الظّنّ وان لم يفد الظّنّ الشّخصى وهذا المعنى يجتمع مع العلم الإجمالي بمخالفة بعض مؤدّياتها للواقع الثّانى انّ غاية ما يفيده ادلّة نفى الحرج هي الظّنّ النّوعى وهو لا ينافي قيام الظّنّ الشّخصى على خلاف مفادها كما لا ينافي قيام العلم الإجمالي عليه على ما أشرنا الثّالث انّه يلزم اجتماع العلم الإجمالي مع الظّنّ التّفصيلىّ على الخلاف لكن لا منافاة بينهما كما في الغلبة وهذا يتمّ على إفادة الغلبة للظّنّ الشّخصى كما اختاره بعضهم والأنصاف انّ مجامعة العلم الإجمالي مع الظّنّ التّفصيلى على خلافه ممّا لا يعقل واىّ فرق بين اجتماعهما وبين اجتماع القطعين أو الظّنّين الشّخصيين على طرفي النّقيض ومجرّد الاختلاف بالإجمال والتّفصيل لا يوجب جواز الاجتماع فاذن الأوجه اختيار أحد الوجهين الأوّلين على ما فيهما من البعد قوله وسبرها سبرا اجماليّا اه أقول السّبر بالباء الموحّدة بمعنى امتحان غور الجرح وغيره ومنه سمّيت آلته بالمسبر وفي المجمع سبرت القوم من باب قتل وفي لغة من باب ضرب تاملتهم واحدا بعد واحد انتهى ومنه السّبر المستعمل في السنة المنطقيّين وغيرهم في باب القياس واستنباط العلّة قوله وفيه ما لا يخفى لما
عرفت اه أقول هذا الجواب أقرب إلى الصّواب ممّا يقال من انّ الأدلّة الدّالّة على حرمة العمل بالظّنّ انّما تدلّ على حرمة العمل به من حيث هو ظنّ ونحن لا نعمل به من حيث هو كذلك بل من باب الاحتياط وكذا ما يقال انّ الأمر حينئذ دائر بين العمل بالمظنون والعمل بالموهوم ولا شكّ انّ العمل بالمظنون أولى بالاختيار ووجه الأقربية ظاهر سيّما بالنّسبة إلى الأخير فانّ العمل بالمظنون انّما يكون أولى بالاختيار إذا كان الموهوم مخالفا للأصل لا إذا كان موافقا له قوله وهل يفرق في نفى العسر اه أقول التّحقيق انّ القاعدة كما تجرى في الواجبات العينيّة فتنفى الوجوب من أصله كذا تجرى في الواجبات الكفائيّة أيضا لاتّحاد الطّريق وجريان الوجه في كليهما فانّ المناط والمدار انّ كلّ حكم يؤدّى إلى الحرج بالنّسبة إلى أكثر موارده فيكون مرتفعا عنّا حتّى بالنّسبة إلى الموارد الّتى لا يترتّب عليه فيها عسر وحرج ومع إناطة الحكم بصورة تحقّق العسر والحرج لا يحصل الفرق بينهما ثمّ انّه إذا تحقّق العسر والحرج في حقّ بعض المكلّفين سقط عنه الواجب الكفائي بالنّسبة اليه فقد يبقى بعد ذلك على الكفاية وقد ينقلب عينيا قوله والجواب عن هذا الوجه اه أقول ان كان الحكم بعدم الفرق مع فرض كون دليل نفى الحرج هو الدّليل السّمعى فهو مشكل لعدم كون الدّليل ناظرا إلى ما يستند إلى سوء اختيار المكلّف إذ هو امر عارض من قبله لا مدخليّة لتشريع الشّارع فيه حتّى ينافي الحكمة والعدل وان كان ذلك مع فرض كونه العقل فحكم العقل في غير البالغ حدّ اختلال النّظام غير مسلّم كما اعترف به سابقا فلا وجه لتشريكه مع القسم الآخر كما لا يخفى اللّهمّ الّا ان يقال انّ امضاء الشّارع كجعله فلا بدّ من عدم امضائه ما يستلزم الجرح فلا ينعقد النّذر والإجارة في الصّور المفروضة فافهم قوله مع امكان ان يقال اه أقول حاصله الفرق بين العسر الّذى الزمه المكلّف على نفسه والعسر