المسألة الأخرى وفيه نظر امّا اوّلا فلأن الباعث للمعترض على جعله من باب ترجيح أحاديث الاستحباب انّ الأصل لا يثبت الاستحباب الّا بعد اثبات انّ الرّجحان الثّابت بالإجماع والضّرورة هو الرّجحان الاستحبابي والأصل لا يثبته لما نقرّر في محلّه من بطلان الأصول المثبتة فيكون التّمسّك بالأصل من باب الاعتضاد والّا فالمرجع حقيقة هو اخبار الاستحباب وما عدل اليه صاحب الفصول في مقام الجواب فرارا عن لزوم الأثبات بالأصل من انّ العلم بتحقق الرّجحان في ضمن أحد النّوعين واقعا ولو مشروطا فعليته بعلم المكلّف يستلزم بالضّرورة تحقّق الرّجحان الفعلي ظاهرا في ضمن ما يؤدّى اليه طريق المكلّف من الوجوب والاستحباب فإذا اعتبرنا أصل البراءة طريقا إلى نفى المنع من النّقيض دون الاحتياط طريقا إلى اثباته يثبت الاستحباب لتكامل اجزائه فان طابق الواقع والّا فالرّجحان في المقام ظاهرىّ لا ملفق منه ومن الواقعي لا يجديه في مقصده كما لا يخفى وامّا ثانيا فلأنّ عدم ثبوت فصل الوجوب اعني المنع من التّرك يستلزم عدمه في الواقع إذ لا تكليف الّا بعد البيان فعدم حصول المنع من التّرك من اوّل الأمر يكفى في ارتفاع الحكم الّا ان يمنع ذلك اشدّ المنع من جهة انّ الأصل ليس ناظرا إلى الواقع أصلا ولا يثبت الحكم الواقعي النّفس الأمرىّ فلا يثبت به الفصل الآخر الّذى يتحقّق به الاستحباب فالأصل معارض بالمثل فلا يجدى طائلا فافهم وامّا ثالثا فلأنّ مقايسة الأصل بالخبر النّافى مع كون الثّانى من الأدلّة الاجتهاديّة النّاظرة إلى الواقع دون الأوّل ممّا لا يعجب الخبير البصير وامّا الاعتراض الرّابع فيرد عليه ما قيل من انّ الأصل يدفع كلّا من الوجهين بخصوصه حيث لم يقم عليه دليل قاطع ولمّا لم يكن مندوحة عن الأخذ بأحدهما لقيام الدّليل القاطع على وجوب أحدهما نظرا إلى اتّفاق الفريقين عليه لزم البناء على التّخيير فليس التّخيير مفاد الأصل خاصّة بل مع العلم بثبوت أحدهما فالأصل دافع لكلّ من الدّليلين والإيراد عليه وعلى الاعتراض بعدم دلالة كلام المورد على التّمسّك بالأصل في الحكم بالتّخيير أصلا وهو غير صحيح في نفسه بل مراده الاستناد في ذلك إلى عدم المندوحة مندفع بانّ سياق الكلام يقتضى ذلك فانّ ظاهره يعطى انّ المورد أراد بيان كيفيّة اجراء الأصل في السّهل والصّعب كليهما ليظهر عدم الحاجة إلى العمل بالظّنون هذا ما يقتضيه ما تيسّر من النّظر في هذه الكلمات الرّشيقة والمتامّل فيها يتعاطى أزيد ممّا أشرنا اليه من المطالب الدّقيقة قوله ثمّ انّ ما ذكره اه أقول غرضه من هذا الكلام القدح في كلّية التّخلّص بالبراءة الّتى أريد التّخلّص عن العمل بالظّنّ بها بعد تسليم جواز الرّجوع إليها في ما عدا المعلومات وذلك لانّ المسائل الفقهيّة أصناف منها العبادات وتجرى فيها على القول به حسبما عرفت ومنها الحكم والقضاء أو الإفتاء ويمكن جريانها فيه أيضا بان يقال انّ مقتضى القاعدة هو الحكم بعدم وجوب القضاء والإفتاء الّا فيما ثبت وجوبه علينا بالدّليل القطعىّ الّا انّه يضعف باستلزام الاقتصار على القدر المعلوم فيهما تعطيل الحقوق والأحكام وإيقاد نار الخصومة بين العوام ومنها الاحكام كالمواريث ونحوها ويمكن جريانها في كثير من مواردها أيضا ومنها الطّوارى الواردة كاحكام الشّكوك ونحوها ممّا يقطع بتعلّق التّكليف فيها على أحد وجهين أو وجوه ويشكل اجرائها فيها سيّما في المعاملات ومنها المعاملات وهي كذلك بحسب الأغلب كما في المثال المذكور في المتن فالحكم بالجواز على وجه الكلّية جواز عن منهج السّداد قوله فلو ابدل في الإيراد اه أقول وذلك لأن المراد من اصالة العدم اصالة عدم امر وجودىّ حتّى يتبيّن الخلاف ولها صور لأنّ ذلك الأمر الوجودي امّا ان يكون تكليفا بالفعل أو بالتّرك أو يكون شيئا آخر غير الامرين المذكورين وان استتبع أحدهما كسائر الأحكام الوضعية ويطلق على الأولى اصالة البراءة وعلى الثّانية اصالة الإباحة وعلى الثّالثة اصالة العدم وقد يطلق اللّفظة الأخيرة على الأعمّ من الثّلاث ولذا تكون أشمل فتجرى في العبادات والمعاملات والأحكام التّكليفيّة والوضعيّة وغيرها قوله بناء على انّ أصل العدم اه أقول وعلى هذا فلا يكون حجّيته من باب الاستصحاب بل قد يفرق بينه وبين استصحاب حال العقل بانّ الملحوظ في الاستصحاب استمرار حكم النّفى بعد ثبوته أو لا بخلاف ذلك الأصل فانّه لا يلاحظ فيه ذلك أصلا بل يحكم بكون العدم أصلا حتّى يثبت خلافه بالدّليل فليس معنى الأصل فيه الاستصحاب بل معناه القاعدة المستفادة من الدّليل القطعي
وقيل معناه الرّاجح ورد بانّ المناط في حجّيّة الأصل المذكور ليس حصول الظّنّ كما يوهمه كلام بعضهم لما هو معلوم من الاحتجاج به في محلّ الشّكّ والوهم أيضا فتخصيصه بصورة الظّنّ ممّا لا وجه له وقد يوجه بانّ المقصود رجحان العدم في نفسه بمعنى انّ الرّاجح في نظر العقل من الوجود والعدم هو العدم فلا ينافيه حصول الظّنّ بخلافه من الخارج وهو كما ترى وسيأتي تتمّة الكلام في محلّها
[ المقدمة الثالثة ]
قوله لا بمعنى انّ أحدا من العلماء اه أقول حاصل الاعتراض انّ عدم التزام الفقهاء بالاحتياط في الموارد والمسائل انّما هو من جهة قيام الأدلّة الخاصّة عندهم فلا يقاس بحالهم حال من انسدّ عليه باب العلم بها وربّما يعترض عليه بوجه آخر وهو انّهم انّما لم يعتبروا الاحتياط لوجود الأدلّة عندهم على حجّيّة ما سواه ونحن نعلم عدم تماميّة ادلّتهم فلا يكون اتّفاقهم حجّة وقد يعترض أيضا بانّ الإجماع لم ينعقد على ذلك كيف وكثير من الفقهاء كالسّيّد والشّيخ واضرابهما يستدلّون في وجوب الشّيء وحرمته بالاحتياط وقد يعترض عليه أيضا بانّ الاجماع يسلم تحقّقه في ما إذا قام على خلاف الاحتياط ادلّة ظنّية لاتّفاق أرباب المسلكين اعني الظّنّ الخاصّ والظّنّ المطلق عليه الّا انّ حجّية مثل هذا الإجماع وكشفه عن قول الحجّة ع محلّ تامّل مع انّ قول أحد الفريقين موقوف على ابطال الاحتياط فلو توقّف ابطاله عليه لزم الدّور واعترض عليه بوجه آخر وهو انّه انّما يمنع من العمل بالاحتياط على طريق الايجاب الكلّى مع انّ المقصود وجوبه على طريق الإيجاب الجزئي والإجماع لا يمنع منه توضيح ذلك انّ الشّبهات التّكليفيّة امّا بدويّة وامّا مسبوقة بالعلم الإجمالي كالتّكاليف المتعلّقة بالماهيّات المجملة من حيث الأجزاء والشّرائط والموانع فالأولى مجرى البراءة والثّانية مورد الاحتياط ومعقد الإجماع هو الأولى لا الثّانية كيف وكثير منهم قد صرّحوا بلزوم الاحتياط فيها ويظهر من اطلاقاتهم عدم الفرق فيها بين حالتي الانسداد والانفتاح فيجرى فيها الاحتياط مطلقا كما يجرى البراءة في الأولى كذلك ولا يعتد بخلاف المخالف في بعض مواردها وهذا وان كان وجيها في بادي النّظر الّا انّ فيه تامّلا لعلّنا نشير إلى وجهه في موضع