يليق به قوله وحاصله دعوى الإجماع القطعىّ اه أقول مراده انّ الإجماع المدّعى هاهنا هو من قبيل الإجماع المدّعى على عدم جواز الرّجوع إلى البراءة في الزّائد على المقدار المعلوم فملخّصه الاتّفاق على عدم كون المرجع عند تعذّر العلم بمعظم الأحكام الشّرعيّة هو الالتزام بالاحتياط بتحصيل الموافقة القطعيّة في جميع التّكاليف المجملة فلا ينافيه فرض انتفاء انسداد في حقّهم والكاشف عن هذا الاتفاق هو الحدس الحاصل من التّتبّع والتّامّل في طريقة القوم دون العمل المستمرّ منهم ليحتمل استناده إلى حجّية المدارك فيشهد بذلك استقراء أقوال علمائهم قديما وحديثا في جميع الأعصار من كتب فتاويهم وغيرها واخبارهم ورواياتهم في كتبهم القديمة والجديدة وما عليه طريقتهم في جميع الأعصار والأمصار حتّى انّه يعرف ذلك مخالفوهم من أصناف النّاس من المخالفين وغيرهم والحاصل انّ الاحتياط في جميع الفقه ليس طريقة الشّيعة ومذهبهم بل صرّح الحلّى ره بحرمته وكونه تشريعا قوله والمثال لا يحتاج اليه اه أقول وذلك لأنّ المثال انّما هو لتقريب المطلب وتوضيحه ولا حاجة اليهما في المقام لكثرة الموارد وان كنت في شكّ فانظر في حال الصّلاة وما يتعلق بها من مقدّماتها ومقارناتها ولواحقها فانّ فيها مسائل تحريميّة ووجوبيّة وغيرهما وقد ضبط الشّهيد ره واجباتها في الف كلّها أو جلّها من الخلافيّات فيوجد في وضوئها الخلاف في مقامات مثل غسل الأعلى فالأعلى وفي غسلها كذلك مثل انّه واجب لنفسه أو لغيره أفي الحصول أو تدريجية وفي القبلة الخلاف في مثل لزوم تحصيل العلم ولو بالسّمت مهما أمكن وفي النّية في مثل وجوب الأخطار بالبال وعدمه وفي التّكبير في مثل وجوب رفع اليد وعدمه وفي القراءة في مثل وجوب الجهر بالبسملة في الصّلاة الإخفاتية أو استحبابه أو حرمته وفي مثل وجوب السّورة وعدمه إلى غير ذلك فيلزم على المحتاط تكرار الصّلاة بحسبها نظرا إلى القول باعتبار نيّة الوجه وهكذا بالنّسبة إلى غيرها كصلاة الجمعة والظّهر في يوم الجمعة ايجابا وندبا بل عينا وتخييرا على الأوّل وغسل الجمعة والاستهلال في رمضان والدّعاء عنده وبالمقايسة يعرف حال غير العبادات أيضا ولقد أجاد من قال كالمصنف ره انّه لو بنى المكلّف يوما واحدا على الالتزام بالاحتياط في جميع أموره لوجد من نفسه حرجا عظيما فكيف لو بنى على ذلك في جميع أوقات العمر وإذا لوحظ الخصوصيّات الخارجيّة والاعتبارات المتفرّقة كالمعاشرة مع المخالفين وأهل القرى والبوادي والنّساء والأطفال وكون المسألة ممّا تعمّ به البلوى ويحتاج إليها في كلّ يوم وليلة انتهى في حد الاستبعاد إلى حدّ لا يحتمل وجوبه بل حسنه فيه عند أهل الحلّ والعقد وإذا لوحظ معاملات العباد ومكاسبهم ولزوم التّعطيل في أمور معاشهم في المعاملات والمرافعات ازداد بشاعة فوق بشاعة وجواب المكابر كجواب السّوفسطائى قوله انّ كلامنا في حكم اللّه اه أقول حاصله انّ محلّ الكلام هو المسألة العلميّة العقليّة لا القضايا الشّخصيّة قوله فلا مناص عن العمل بالظّنّ اه أقول إذ المفروض عدم امكان الاحتياط وتعطيل الأمر قد يوجب إلى تلف الأموال والنّفوس فلو لم يعمل بالظّنّ لم يستقم أمور المعاش والمعاد ألا ترى انّ الفقهاء افتوا بانّ الدّيون المؤجّلة تحلّ بموت المديون ولا تحلّ بحجر المفلس وفرقوا بينهما مع النّص بانّ في الأوّل يتضرّر الورثة ان منعوا من التّصرف إلى أن تحلّ وصاحب الدّين ان لم يمنعوا وظاهرهم انّ هذا الحكم مقتضى القاعدة لولا النّصّ فيعلم من ذلك ونظائره انّ بنائهم ليس على تعطيل الأمور والأموال وهذا لا يحتاج إلى مئونة الاثبات بل يكفى فيه مجرّد تنبيه قوله لا بأس بالإشارة إلى بعضها اه أقول ونحن نشير إلى بعض آخر منها تكميلا للمقصد وتتميما للمطلب فمن جملته انّ غاية ما يفيده عمومات نفى الحرج هي الظّنّ بعدم وجوب الاحتياط وجواز العمل بالظّنّ وهو تمسّك بالظّنّ في اثبات حجّية الظّنّ وهو دور واضح ومنها انّ جماعة من العلماء الأعلام بنوا على وجوب الاحتياط ولم يقعوا في مزلقة العسر والحرج والّا لاشتهر ذلك ومنها انّ الاحتياط لو كان مستلزما للعسر والحرج لم يكن حسنا ومندوبا أيضا ولما كان متعلّقا لإرادة الحكيم على الإطلاق لقوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
لا يقال لزوم العسر
والحرج انّما هو على الوجوب دون النّدب لأنّا نقول لا شكّ في كون بعض الأمور معسورا في نفسه سواء كان واجبا أو مندوبا أو مباحا كتحمّل الوجع الشّديد والصّعود على الجبل الشّامخ الرّفيع ومنها انّ ادلّة نفى العسر والحرج معارضة بعموم الأدلّة المثبتة للتّكاليف الشّاملة لموارد الحرج معارضة العامين من وجه ولا بدّ من الرّجوع إلى المرجّحات الخارجيّة والمرجّح للأولى هو الاعتضاد بعمل الأصحاب وهو في المقام غير معلوم إذ عدم التزام الأكثر بالاحتياط في كلّ مقام مستند إلى اعتقاد وجود الأدلّة الشّرعيّة في الأحكام والمفروض انتفائها في المقام ومنها انّ الحرج انّما يلزم فيما لو بنى على الاحتياط في جميع المقامات وامّا لو بنى عليه في بعضها كالماهيّات المجملة الّتى يتعلّق الشّكّ فيها بالمكلّف به بعد ثبوت أصل التّكليف في الجملة دون بعضها الآخر الآخر الّذى يتعلّق الشّكّ فيه بأصل التّكليف ويكون مجرى البراءة وما ضاهاها من الأصول فلا كيف وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الأصحاب من دون ترتّب حرج عليه ومنها ان ادلّة نفى الحرج معارضة بادلّة الاحتياط ومنها انّ العسر والحرج ورد في الشّرع في كثير من الموارد كالجهاد مثلا فليكن الاحتياط منها إلى غير ذلك من الوجوه الضّعيفة والجواب عن الأوّل انّ نفى الحرج ممّا يدلّ عليه العقل القاطع أيضا ولا ينحصر دليله في الكتاب والسّنّة كما ستعرف وهذا أولى ممّا يقال في الجواب من انّ هذا الظّنّ من الظّنون الخاصّة الّتى دلّ الدّليل على حجّيتها كما لا يخفى وعن الثّانى انّ الباني عليه من العلماء كان ممّن انفتح عليه باب العلم أو ممّن ادّعى انفتاحه كالأخباريّة فكان موارد الاحتياط عنده قليلة غاية القلّة ولا شكّ انّ الاحتياط في هذا المقدار من الموارد لا يوجب العسر والحرج وعن الثّالث انّ حسنه واستحبابه في صورة استلزامه العسر والحرج ممّا لا داعى إلى تسليمه وهذا أولى ممّا يقال في الجواب من انّ الآية لما لم يكن ظاهرها مرادا لا بدّ من ارتكاب مجاز فيها كان تفسر بانّ المراد لا يريد بكم العسر بعنوان الحتم والإلزام فلا تدلّ على نفى إرادة العسر بطريق الاستحباب أو انّ الآية مخصّصة بالإجماع اى لا يريد بكم العسر الّا في مواضع الاحتياط ووجه