انّما هو كون المستصحب حكما شرعيّا كلّيّا تكليفيّا في الاوّل دون الثّانى فمحصّل كلامه دعوى ضرورة الدّين على العمل بالمقتضى وعدم الاعتناء باحتمال الرّافع وانّه يعبّر عنه بالاستصحاب فالاجماع على العمل بهذه القاعدة ومن المعلوم انّه ليس عدم الاعتناء باحتمال النّسخ لدليل تعبّدى اطّلع عليه الصّحابة وغيرهم بل انّما هو أصل ضروري لا يتامّل في الرّكون اليه أهل الشّرائع كافّة بل ساير العبيد بالنّسبة إلى احكام الموالى والرّعيّة بالنّسبة إلى احكام السّلطان فظهر انّ الاستصحاب في الحقيقة انّما هو العمل باطلاق الاقتضاء وعمومه وامّا استصحاب حال الشّرع فهو بان يعبّر عنه بالاسراء أولى وفي الكتاب المذكور مرادهم من الرّاجح ما يترجّح إذا خلّى ونفسه مثلا إذا خلى الكلام ونفسه اى لم تكن قرينة صارفة بحمله المخاطب على المعنى الحقيقىّ لانّه راجح ح والمراد من الأصل في قولهم الأصل براءة الذّمّة هذا المعنى وكذلك من قولهم الأصل في الماء عدم تنجّسه انتهى ويستفاد من هذا الكلام انّ المراد من الرّجحان الاقتضاء وكون المعلول راجحا انّما هو لوجود ما يقتضيه ولا ريب انّ اصالة عدم التّنجّس ليس الّا التّعويل على الاقتضاء وقد بيّنا سابقا معنى الظنّ النّوعىّ بما ينطبق على هذا المعنى فلاحظ وتفطّن وفي الدّرر النّجفيّة ان الّذى يظهر من المحدّث الأمين الأسترآبادي في تعليقاته على المدارك معنى آخر للاستصحاب قد اختاره وذهب اليه واعتمد في جملة المواضع عليه قال وهو اجراء الحكم السّابق الشّرعىّ أو نفيه اجراء ظاهريّا ما لم يثبت رافعه بمعنى انّه إذا ثبت من الشّارع حكم من الاحكام وجب العمل به فإذا حصلت شبهة توجب التّردّد في رفع الحكم وعدمه وجب الفحص والبحث عن حكم اللّه سبحانه الواقعىّ في ذلك فان حصل عمل على مقتضاه والّا اجرى الحكم الاوّل اجراء ظاهريّا بمعنى انّه لا يجوز القطع بكونه حكم اللّه تعالى واقعا فانّه بعد عروض الشّبهة المذكورة لا يدرى انّ اللّه سبحانه يديم الحكم أو لا يديمه كما لا يعلم انّه ينسخ الحكم الفلاني بعد ثبوته أو لا ينسخه فعند عروض شبهة النّسخ يجب الفحص هل النّسخ واقع أم لا ومع العجز يجب اجراء الحكم السّابق إلى ظهور خلافه وقد علم من الدّين ضرورة انقسام الاحكام إلى ظاهرىّ وواقعىّ واعتبار كلّ واحد منهما فانّ أكثر الاحكام في نشأة التّكليف هو الاوّل انتهى ولا يخفى انّ هذا المعنى هو الجامع بين الصّورتين المذكورتين في الفوائد المدنيّة الّذى ادّعى عليه ضرورة الدّين فالمستفاد منه انّه حكم بانّ استصحاب حال الشّرع اسراء وانّ الاخذ بالاقتضاء معنى آخر للاستصحاب لا محيص عن الاخذ به والاعتماد عليه وحكى عنه في الدّرر انّه استدلّ على ذلك بانّ العمل على هذه القاعدة مستمرّ من بدو الاسلام إلى الآن قال ولولا ذلك للزم الحرج وعمّت الحيرة لوقوع كثير من النّاس في شبهة وجود الرّافع مقيسا إلى كثير من الاحكام قديما وحديثا مع العجز عن الرجوع إلى صاحب الشّريعة في كثير من الأوقات وكثير من الاقسام المتّفق عليها في الاستصحاب لو تأمّلت فيه وجدته مبنيّا على ما ذكرناه إذ شمول النّصّ فيه بجميع الأحوال والأزمان ليس من باب العموم بل من باب الاطلاق والمطلق لا يدلّ على أقصى افراده بشيء من الدّلالات الثّلث لتحقّقه في ضمن اقلّها
محجة العلماء في الأدلة العقلية — صفحة 141
مساهمون: الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
ص١٤١