فإن تمحّض التعارض في جهة الصدور كما إذا كانا قطعيّين صدورا ودلالة - كما في الخبرين المتواترين مع فرض كون كلّ منهما نصّا - أو في الدلالة فقط - كالآيتين ؛ فإنّ التقيّة ممّا لا سبيل له في كلام اللّه تعالى ، والمفروض أنّ السند فيهما قطعيّ ؛ فيختصّ التعارض فيهما بالدلالة فقط - فهما خارجان عن باب التعارض . ولهما مقام آخر يأتي الكلام فيه .
والّذي يدلّ على الأوّل : فهو أنّ الأخبار الّتي بيّن فيها كيفيّة الترجيح إنّما هو فيما إذا كان التعارض في الأخبار الظنّيّ السند كما لا يخفى على من اطّلع على مضامينها ، والسند في الصورة المزبورة يكون قطعيّا ؛ فلا يقال : إنّ من جملة المرجّحات المشتمل عليها الأخبار المرقومة كون أحد الخبرين مخالفا للعامّة ، والتعارض الحاصل في الصورة المزبورة إنّما هو من هذه الجهة فيعمل بها فيها ؛ لما عرفت من خروجها عنها ؛ هذا .
والّذي يدلّ على الثاني - أعني خروج الصورة الّتي فرض التعارض فيها في الدلالة فقط بأقسامها المذكورة - :
أمّا الأوّل منها - أعني المتكافئين - : فهو أنّ التعارض عبارة عن تنافي مدلولي الدليلين ، والدليلان المتكافئان إذا فرض كون سندهما قطعيّا لم يبق لهما مدلول حتّى يحصل التنافي بحسبه ؛ لصيرورته حينئذ مجملا . وليس الحال كذلك إذا كان السند ظنّيّا .
ومبيّن الفرق في المقامين : ما يأتي في كلام المصنّف رحمه اللّه في مقام بيان قاعدة الجمع ؛ حيث قال :
وممّا ذكرنا يظهر فساد توهّم : أنّه إذا علمنا بدليل حجّيّة الأمارة فيهما وقلنا بأنّ الخبرين معتبران سندا ، فيصير كمقطوعي الصدور . . . إلى آخر كلامه « 1 » ؛ فراجع .
وأمّا الثاني والثالث - أعني النصّ والظاهر ، والأظهر والظاهر - : فلأنّ المعتبر في التعارض تنافي مدلولي الخطابين ، ولا يتصوّر في كلّ من الصورتين إلّا مدلول واحد ؛ أمّا على الأوّل ، فظاهر ؛ لحكم العرف باتّحاد المدلول فيه . وأمّا على الثاني ، فلأنّ الأظهر قرينة صارفة للظاهر .
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول 4 : 22 .