فيه : أنّه لولا وجود المذي والشكّ في كونه رافعا ، لما حصل لنا الشكّ في هذا المجعول الإلهيّ ، بل المعلوم لنا أنّ المجعول حينئذ في حقّ المكلّف هو الطهارة ، وإنّما برز هذا الشّك لسبب الشكّ في كون المذي رافعا ؛ فثبت التسبيب بينهما حينئذ .
إذا عرفت ذلك فنقول : إن أراد المصنّف رحمه اللّه نفي التسبيب فيما لو فرض المقام من الشكّ في الرافع فقد عرفت عدم المناص حينئذ عن ثبوت التسبيب .
وإن أراد نفيه فيما لو فرض من الشكّ في المقتضي فهو حقّ كما عرفت ، لكن إرادته ذلك خلاف ظاهر قوله : « حينئذ » « 1 » في أوّل الجواب ؛ لأنّ الظاهر منه رجوعه إلى القسم الثاني في مفروض كلامه السابق .
[ التنبيه الثالث الاستصحاب في الأحكام العقليّة ]
149 - قوله رحمه اللّه : « الأمر الثالث : أنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ به العقل . . . » ( 3 : 215 ) قلت : إنّ تحقيق الكلام في هذا المقام يقتضي استيفاء ما يتصوّر فيه من الأقسام ؛ فنقول : إنّ الحكم العقليّ بين مستقلّ وغير مستقلّ . والأوّل بين ما يرجع إلى التحسين والتقبيح ، وما ينتهي إلى الاستدلال وإقامة البرهان ؛ فالأقسام ثلاثة .
وفي كلّ قسم تارة : نتكلّم في جريان الاستصحاب في الحكم العقليّ ، وأخرى : في الحكم الشرعيّ الثابت في مورده . وعلى جميع التقادير تارة : يكون الشبهة حكميّة ، وأخرى : موضوعيّة . وبعد ضرب الاثنين في الستّة يحصل اثنى عشر .
وعلى التقادير الستّة الّتي يجعل مجرى الاستصحاب فيها الحكم الشرعيّ تارة :
يكون ذلك الحكم الشرعيّ مستندا إلى الحكم العقليّ ، وأخرى : يكون مستندا إلى غيره . ومرتقى الأقسام بعد الاستيفاء التامّ ثمانية عشر .
وشرح الحال في جريان الاستصحاب فيها يقتضي التكلّم في مقامات ثلاث : الأوّل : في التكلّم فيه بالنسبة إلى الحكم العقليّ الغير المستقلّ بأقسامه الستّة ؛
هامش
( 1 ) - حيث قال : « قلت : لا بدّ من أن يلاحظ حينئذ . . . » ؛ انظر فرائد الأصول 3 : 212 .