على مذهبهم هناك غير التصوّر والطلب . وأمّا على مذهب العدليّة فلمّا كان هناك شيء آخر فربّما يتخيّل أنّ الحكم الوضعيّ أيضا ناش عنه .
وكيف كان : فملخّص شرح مراده : أنّ الجعل اللائق بالأحكام لا بدّ أن يرجع إلى نحو من الإنشاء القائم بالحاكم ، ونحن لا نتعقّل من جعل الدلوك سببا للوجوب سوى جعل الوجوب للصلاة عند الدلوك ، وليست السببيّة القائمة بالدلوك من لوازم ذاته بحيث يبعث الشارع قهرا لإيجابه فعلا عند حصوله . ولو كانت - بأن تكون من مقولة لوازم الماهيّة - فلم تكن مجعولة للشارع ؛ لما تقدّم من أنّ الجعل لا يتعلّق بلوازم الماهيّة ولا نتعقّل أيضا صفة كانت من الموجودات بإيجاد الشارع بالنظر إلى ضميمة الفصل والخصوصيّة ؛ نظير قوله تعالى :
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
« 1 » ؛ حيث خوطب به النار .
والدليل على ما ذكر من القسمين ما هو ثابت في محلّه ؛ من أنّ الأسباب الشرعيّة ليست كالأسباب العقليّة مؤثّرة في المسبّب وموجدة له ، بل إنّما هي معرّفات وكواشف عن وجود المسبّب باعتبار وجود المصلحة المقتضية لإيجاب الشارع من باب اللطف من حيث المصلحة لا من حيث تأثير السبب ، وإن كان له دخل في مصلحة الفعل أيضا في الجملة ، لكنّه لا ينفع ؛ لأنّ المنفيّ هو السببيّة التامّة .
فصار الحاصل : أنّ المراد بالسببيّة إن كان ما ذكر فقد عرفت عدم تعقّلها ، وإن كان المراد بها ما هو قائم بنفس الجاعل والآمر من حيث إنّه منشئ فالوجدان على خلافه كما مضى .
هذا غاية ما يقتضيه الوسع في شرح كلّ من كلاميه .
هامش
( 1 ) - الأنبياء : 69 .