القائمة بالدلوك ليست من لوازم ذاته ، بأن يكون فيه معنى يقتضي إيجاب الشارع فعلا عند حصوله ، ولو كانت لم تكن « 1 » مجعولة من الشارع ، ولا نعقلها أيضا صفة أوجدها الشارع فيه باعتبار الفصول المنوّعة ولا الخصوصيّات المصنّفة أو المشخّصة « 2 » . انتهى كلامه ، رفع مقامه .
أقول - توضيحا لمراده من هذا الكلام المنيف والتحقيق اللطيف - : إنّه أراد رحمه اللّه بكلامه قبل هذا الكلام إثبات عدم الجعل في الأحكام الوضعيّة بالنسبة إلى الخطابات الواردة ؛ مثل قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
وأمثاله ممّا اقترن فيه بين التكليف والوضع .
ولمّا كان لقائل أن يدّعي أنّا نفرض صدور مثل قوله : « جعلت الدلوك سببا » وأمثاله ممّا يكون مدلوله المطابقيّ إنشاء جعل السببيّة ولم يقترن بالحكم التكليفيّ حتّى يقال : إنّه منتزع منه ، فتصدّى رحمه اللّه لبيان دفعه : بأنّ الجعل بجميع أنحائه ممّا ليس له تعقّل في الحكم الوضعيّ . وكلّ قضيّة ظاهره ذلك مثل « من أتلف مال الغير فهو له ضامن » وأمثاله لا بدّ من صرفه عن ظاهره بحيث يرجع إلى الحكم التكليفيّ إمّا من باب المجاز ، أو الكناية بناء على أحد الوجهين المقرّر في قوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 3 » وأمثاله من القضايا الخبريّة الّتي حملها على الإخبار موجب لكذبها ؛ فلا بدّ من حملها على الإنشاء ، إمّا مجازا كما هو مذهب المشهور ، أو كناية كما هو مقتضى التحقيق .
ووجه خصوصيّة مذهب الأشعريّ أنّ الأحكام عندهم لمّا لم يكن منوطة بالمصالح والمفاسد بل الأحكام عندهم اقتراحيّات منبعثة عن التشهّي ، فلم يكن
هامش
( 1 ) - أثبتناها كما في الأصل ، وفي النسخة الموجودة من القلائد : « لم يكن » .
( 2 ) - فرائد الأصول 3 : 129 .
( 3 ) - الواقعة : 79 .