تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلائد الفرائد — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
المنكرين - كما سبق - بين طائفتين : منهم من قال : بأنّها أمور متأصّلة ؛ فلم يتعلّق بها جعل ؛ ولازم هذا كونها من لوازم الماهيّة . ومنهم من قال : بأنّها أمور منتزعة ، ومنشأ انتزاعها هو الخطابات الشرعيّة المثبتة للأحكام التكليفيّة . فالفرق بين المثبت والنافي في غاية الوضوح ؛ حيث إنّ المثبت قائل بأنّ السببيّة مثلا منتزعة عن قوله : « جعلت الدلوك سببا لوجوب الصلاة » ، والمنكر قائل : منتزعة من قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ؛
فالاختلاف بينهم إنّما هو في منشأ الانتزاع وإن كان انتزاعها متّفقا عليه بينهما . هذا بناء على القول بالانتزاع . وأمّا على القول بالتأصّل فالفرق بينهما أوضح . فإن قلت : إنّ النزاع حينئذ وإن لم يكن لفظيّا لكنّه أشبه شيء بالنزاع اللفظيّ ؛ لأنّ المقصود إنّما هو إثبات وصف السببيّة للدلوك ، وهو لا يفرق فيه بين أن يكون منشأ الانتزاع هو قوله : « الدلوك سبب » ، أو خطاب « أقم الصلاة » ؛ لأنّ إثبات هذا الوصف بالنسبة إلى الدلوك يحصل على أيّ تقدير ، وكون منشأ الانتزاع هو الأوّل أو الثاني لا يترتّب عليه فائدة إلّا أنّ العلم بالأشياء أحسن من الجهل بها . قلت : إنّ الثمرة بينهما متحقّقة في مقامين : أحدهما : في المستفاد ؛ وذلك لأنّ منشأ الانتزاع لسببيّة الدلوك مثلا إن كان هو الأوّل فهي غير قابلة للمنع ، وهذا بخلاف ما إذا كان منشأ الانتزاع هو الثاني ؛ فإنّه يصحّ حينئذ منع وصف السببيّة بالنسبة إليه ؛ لأنّه ليس في الكلام إلّا قوله تعالى :
لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ،
واللام فيه ليس للتعليل - كما هو واضح - فلا يكون مفاده حينئذ إلّا إثبات شرطيّة الوقت المزبور ، وأين هو من السببيّة ؟ ! وقس على هذا المقام السببيّة المستفادة من غير هذا الكلام ، ويلزم حينئذ منع السببيّة من جميع الأسباب الشرعيّة وهو كما ترى .