وكيف كان : فتحقيق الكلام في هذه المسألة - أعني العمل بالاحتياط قبل الفحص - يقتضي رسم أمور :
الأوّل : أنّ من ليس له مرتبة الاجتهاد يجب عليه التقليد في هذه المسألة ؛ إذ ليست بمثابة المسائل الّتي لا بدّ فيها من الاجتهاد حتّى للعوامّ ؛ فلو عمل بالاحتياط من غير تقليد فصحّة عمله هذا وفساده يدور مدار فتوى من يرجع إليه .
الثاني : أنّ البحث في هذه المسألة - أعني العمل بالاحتياط قبل الفحص - إنّما هو من حيث الصحّة والفساد ، دون الحكم التكليفيّ وما يترتّب على مخالفته من العقاب ؛ لوضوح أنّ المحتاط في عمله هذا ليس بمعاقب ؛ كيف ، ولم يثبت في حقّه تكليف سوى التكليف بالواقع لكي يترتّب العقاب على مخالفته ؟ ! نعم ، لو قيل بأنّ الاحتياط تشريع ، لكان له وجه ، لكنّه بمحلّ المنع .
وهذا بخلاف البحث في المسألة الآتية ؛ أعني العمل بالبراءة قبل الفحص ؛ فإنّه من حيث ثبوت الحكم التكليفي وترتّب العقاب على مخالفته ، دون الحكم الوضعيّ ؛ لما مرّ غير مرّة من أنّ أصل البراءة ليس له نظر إلى الحكم الوضعيّ سقوطا وثبوتا ، وإنّما نظره إلى صرف رفع الحكم التكليفيّ والعقاب المترتّب عليه .
فإن قلت : إنّ المصنّف رحمه اللّه - كما يأتي - قد جعل الكلام في أصل البراءة في مقامين : تارة : في بيان الحكم الوضعيّ ، وأخرى : في الحكم التكليفيّ . ولو كان مطمح النظر في تلك المسألة هو الثاني فقط ، فليكن كلامه رحمه اللّه هذا خاليا عن الوجه ، وأنّى لك الجرأة بتفوّه ذلك ؟ !
قلت : إنّ هذا ليس إلّا من باب المسامحة في التعبير ، فلا بدّ من التوجيه ، وإلّا فلا ينطبق على ما هو المسلّم عنده رحمه اللّه واقتضاه التحقيق أيضا : من أنّ أصل البراءة
قلائد الفرائد — صفحة 628
مساهمون: الشيخ غلامرضا القمي ( حاج آخوند )
ص٦٢٨