تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلائد الفرائد — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
وثالثا : أنّ أولويّة الحقيقة من المجاز مسلّمة في الحقيقة الدائرة دون البائرة ؛ فلو كان المجاز دائرا فهو مقدّم على الحقيقة البائرة ؛ وذلك لأنّ الغرض من الكلام هو التفهيم والتفهّم ، فلو كان الحمل على الحقيقة مستلزما للإجمال والإهمال في الكلام ، والمجاز مستلزما للإفادة والبيان ، فلا شبهة في أنّ الثاني - لكونه واجدا للغرض الأصليّ من الكلام - مقدّم على الأوّل الفاقد له . والمقام من هذا القبيل ؛ لأنّ محتمل المعنى الحقيقيّ لكلمة « من » فيه لا يختصّ بالتبعيض ، فلو حمل اللفظ عليه يلزم الإجمال في الكلام ، بخلاف الحمل على المعنى المجازيّ . اللّهمّ إلّا أن يقال : إن المعنى الحقيقيّ لها مختصّ بالابتداء ، وهو متعذّر فيه ، ومعانيها المجازيّة متعدّدة ، وتعدّدها يوجب الإجمال ؛ هذا . وأمّا مخالفة الظاهر في كون « من » للبيان ، فلعلّ منشأه أنّها حينئذ إمّا أن تجعل متعلّقة بقوله « فأتوا » أو « ما استطعتم » . وعلى التقديرين لا مسرح له في المقام . أمّا على الأوّل : فلأنّ البيان يتحقّق في صورة سبق شيء يكون كلمة « من » بيانا له ، ومفروض المقام عدمه ؛ لعدم سبق مفعول لقوله : « فأتوا » حتّى يكون هذا بيانا له ؛ ولذا ما رأينا في كلام دخول من البيانيّة على المفعول أو الفاعل . ومقايسة المقام بقوله عزّ من قال :
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ
« 1 » ؛ حيث حكي عن ابن هشام كون « من » فيه للبيان « 2 » . مدفوعة : بوجود الفراق ؛ لأنّ معنى « يحلّون » يكون يلبسون الحليّ ، و « من »
هامش
( 1 ) - الكهف : 31 . ( 2 ) - هذا ، ولكن قال ابن هشام في المغني 1 : 420 ، مبحث وجوه « من » ، الثالث : بيان الجنس : «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ؛الشاهد في غير الأولى ؛ فإنّ تلك للابتداء . وقيل : زائدة » .