911 - قوله رحمه اللّه : « أمّا الأولى : فلاحتمال كون « من » بمعنى الباء . . . » ( 2 : 390 )
أقول : توضيح الكلام في المقام : أنّ ظاهر قوله صلّى اللّه عليه وآله : « فأتوا » « 1 » هو الوجوب ، وإلّا فلا يثبت به المطلوب . وكلمة « شيء » مطلق يشمل المأمور به بقسميه من البسيط والمركّب . وكلمة « من » محتملاتها ثلاثة :
أحدها : أن تكون بمعنى الباء ولفظة « ما » حينئذ ظاهرة في المصدريّة الزمانيّة .
وثانيها : أن تكون بيانيّة ؛ إمّا للمأتي ؛ بأن تعلّقت بالقضيّة الأولى . أو للموصول ؛ بأن تكون من متعلّقات « ما استطعتم » .
وثالثها : أن تكون للتبعيض . واحتمال كونها للابتداء ، مدفوع : بأنّه يتحقّق فيما له بداية ونهاية ، والامتثال الّذي هو معنى الإتيان من البسائط الّتي لا يأتي فيها ذلك ؛ فالاحتمالات فيها منحصرة في الثلاثة ، ومبنى الاستدلال بالحديث الشريف هو الوجه الأخير . وتحقيق الكلام في كلّ منها يتّضح في طيّ كلماتنا الآتية .
912 - قوله رحمه اللّه : « مخالف للظاهر بعيد . . . » ( 2 : 390 )
أقول : أمّا مخالفة الظاهر في كون « من » بمعنى الباء ، فلعلّ منشأه أنّ هذا مجاز ، فلا يصار إليه بعد إمكان الحمل على الحقيقة .
وفيه : أوّلا : منع المجازيّة . وسنده قول بعض أئمّة النحو بالاشتراك اللفظيّ في معاني الحروف .
وثانيا - بعد التسليم - : أنّ القرينة على إرادته موجودة ؛ وهي أنّ الإتيان بمعنى المجيء إنّما يتعدّى بالباء ، كما في قوله تعالى :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
« 2 » وقوله سبحانه :
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
« 3 » ، والمقام من هذا القبيل .
[ حول قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » ]
هامش
( 1 ) - « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » ؛ انظر عوالي اللآلي 4 : 48 ، الحديث 206 .
( 2 ) - البقرة : 25 .
( 3 ) - يوسف : 93 .