وإن أراد كونهما مجعولين بجعلين ، فالحوالة على الوجدان لا البرهان .
وكذا لو أراد كونهما مجعولين بجعل واحد ؛ فإنّ الوجدان شاهد على أنّ السببية والمانعية في المثالين اعتباران منتزعان ، كالمسببية والمشروطية والممنوعية ، مع أنّ قول الشارع : " دلوك الشمس سبب لوجوب الصلاة " ليس جعلا للإيجاب استتباعا - كما ذكره - بل هو إخبار عن تحقّق الوجوب عند الدلوك .
شرح
الجنابة تثبت في هذه الأحوال دون وجوب الغسل .
قلت : إنّ غاية ما ذكرت اختلاف الحكم الوضعي والتكليفي مفهوما وموضوعا وشرطا ، وعدم صحّة رجوعه إلى التكليف الفعلي المنجّز . وهذا كلّه إنّما يسلّم على تقدير تسليم كونه مجعولا ، ولا ينافي كونه أمرا منتزعا من الحكم التكليفي ، كما أوضحه المصنّف رحمه اللّه عند بيان مراد القائل بالانتزاع ، والتنبيه على غفلة من غفل عن مراده .
ونزيد هنا توضيحا ونقول : إنّ الأحكام التكليفيّة على أقسام ، منها ما يتعلّق بالمكلّف ابتداء ، مثل الأمر بالصلاة والصوم . ومنها ما يتعلّق به على تقدير وقوع أمر . وعلى الثاني : إمّا أن يتعلّق بنفس الفاعل ، أو بالغير . ومن قال بانتزاع الأحكام الوضعيّة من التكليفيّة لا يريد به انتزاعها من التكليفيّة الفعليّة المنجّزة ، بل أعمّ منها ومن المعلّقة . فإذا أتلف شخص مال الغير توجّه إليه التكليف فعلا بأداء عوض التالف إن استجمع شرائط التكليف ، وإلّا فعلى تقدير استجماعه لها . فإذا أتلفه في حال النوم يكون التكليف بالأداء معلّقا على الانتباه من النوم . وإذا أتلفه في حال الجنون أو الصّغر يتوجّه التكليف بالأداء إلى الوليّ ، بمعنى الأداء من مال الصغير والمجنون إن كان له وليّ ، وإلّا فإلى حاكم الشرع ، لعموم أدلّة ولايته ، وإلّا فإلى عدول المؤمنين ، وإلّا فإلى صاحب المال ، بأن يجوز له الأخذ من مالهما عوض التألّف . وإن كان هو أيضا صغيرا ولم يكن له وليّ ، كان المتلف مكلّفا بالأداء ، ولكن معلّقا على استجماعه لشرائط التكليف من البلوغ والرشد وغير