شرح
فاختلفوا في الصحّة والفساد على أقوال ، فقيل : بكونهما اعتباريّين مطلقا ، كالحاجبي والعضدي وجمال العلماء ، مع قولهم بالجعل في غيرهما . وفصّل بعضهم فيهما بين العبادات والمعاملات ، بدعوى كونهما من الأمور الاعتباريّة في الأولى ، نظرا إلى كون الصحّة والفساد فيها بمعنى موافقة الأمر وعدمها ، وهما من الأمور العقليّة المحضة ، ومن الأمور المجعولة في المعاملات ، لكونهما فيها بمعنى ترتّب الأثر وعدمه ، وهما شرعيّان كما يظهر من صاحب الفصول .
وأنت خبير بأنّ الأثر - وهو جواز الاستمتاع بعد عقد النكاح مثلا - وإن كان شرعيّا إلّا أنّ ترتّبه عليه عقلي ، يحكم به العقل بعد الاطّلاع على جعل هذا الأثر عند تحقّق موضوعه . وهذا إذا كان الأثر حكما طلبيّا . وإن كان وضعيّا - كالأمثلة التي ذكرها المصنّف رحمه اللّه - فالأمر فيه واضح ممّا ذكره .
هذا كلّه في الأحكام الوضعيّة الواقعيّة . وأمّا الظاهريّة فالقول بالجعل فيها أوهن منه في الواقعيّة ، وذلك بأنّ يقال بأنّ العقد الفاسد سبب ظاهري لإفادة الملك وإباحة التصرّف عند اعتقاد صحّته . ومن هنا يقال : إنّ الملك لا يزول بتغيّر الاجتهاد ، لأنّ العقد سبب شرعيّ إذا وقع لا يزول أثره إلّا بناقل شرعيّ ، وتبدّل رأي المجتهد ليس منه . وأنت خبير بأنّ دعوى الجعل في الوضعيّة الواقعيّة خالية من الدليل ، بل قد عرفت الأدلّة على خلافها فضلا عن الظاهريّة منها .
فإن قلت : كيف تنكر كون أحكام الوضع مجعولة وتدّعي رجوعها إلى الأحكام الطلبيّة ، مع اختلافهما مفهوما وشرطا ومحلّا ودليلا ؟ لأنّ حرمة شرب الخمر مباينة لمانعيّتها من الصلاة ، وكذا وجوب الطهارة ينفكّ عن شرطيّتها للصلاة ، لأنّ شرطيّتها تجتمع مع الوجوب والندب ، والتكليف بما لا يطاق يجري في التكليفي دون الوضعي ، واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات ، كيف لا والتكليفيّة مشروطة بالعلم والقدرة والعقل والبلوغ ، بخلاف الوضعيّة ، ولذا يثبت الضمان في حال الصغر والجنون والنوم ، بخلاف وجوب الأداء ، وكذا