شرح
فقال المتكلّمون بالعدم ، لأنّها لو كانت موجودة في الخارج ، مع أنّها عرض مفتقر إلى محلّ يكون لها إضافة إلى ذلك المحلّ ، فنقول فيها كما قلنا في الأوّل . ويلزم في الأوّل التسلسل ، وهو باطل . ويلزم منه بطلانها في الخارج ، لأنّ ما بني على الباطل باطل . وقول الحكماء بوجودها لا يلزم منه الوجود الخارجي ، بل الذهني . وتحقيق البحث في محلّه » انتهى .
واستدلّ المحقّق الطوسي على بطلانهما أوّلا : باستلزام القول بالإحباط للظلم ، لأنّ من أطاع وأساء وكان إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن ، ومن كان إحسانه أكثر كان بمنزلة من لم يسئ ، وإن تساويا يكون كمن لم يصدر عنه أحدهما ، وليس كذلك عند العقلاء .
وثانيا : بقوله تعالى :فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. والإيفاء بوعده واجب . وأقول : وقال سبحانه أيضا :لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. وقال تعالى :مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها. وقال عزّ وجلّ :أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. وقال سبحانه :إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. ومن السنّة قوله عليه السّلام : « الناس مجزيون بأعمالهم ، إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا » .
فإن قلت : الآيات معارضة بمثلها أو أكثر منها . قال اللّه تعالى :إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. وقال سبحانه :لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى. وقال عزّ وجلّ وعلا :وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ. وقال جلّ وعلا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْعلى المعنى الذي استظهره المصنّف رحمه اللّه منه .
قلت : إنّه قد حمل الآية الأولى على أنّ الحسنات تصير سببا لتوفيق الاحتباس عن السيّئات . والثانية والثالثة على أنّ الإتيان ببعض الحسنات على بعض الوجوه الرديّة قد يوجب عدم استحقاق الثواب عليه . والرابعة على ما تقدّم عند شرح