نعم ، قد عرفت سابقا أنّ ظاهر جماعة من الإماميّة جعل أصل البراءة من الأدلّة الظنّية ، كما تقدّم في المطلب الأوّل استظهار ذلك من صاحبي المعالم والزبدة ، لكنّ ما ذكره من إكمال الدين لا ينفي حصول الظنّ ؛ لجواز دعوى أنّ المظنون بالاستصحاب أو غيره موافقة ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله للبراءة . وما ذكره من تبعيّة خطاب اللّه تعالى للحكم والمصالح لا ينافي ذلك ( 1331 ) .
لكنّ الإنصاف ، أنّ الاستصحاب لا يفيد الظنّ خصوصا في المقام - كما سيجيء في محلّه - ، ولا أمارة غيره يفيد الظنّ . فالاعتراض على مثل هؤلاء إنّما هو منع حصول الظنّ ومنع اعتباره على تقدير الحصول ، ولا دخل لإكمال الدين وعدمه ولا للحسن والقبح العقليّين في هذا المنع .
شرح
وكيف كان ، فهو ينافي ما نسبه إليه المصنّف رحمه اللّه من وجوب الاحتياط فيما نحن فيه كما عرفت . نعم ، قوله فيما نقله المصنّف رحمه اللّه عنه : « ولمّا أبطلنا جواز التمسّك بها في المقامين . . . » صريح في عدم جواز العمل بأصالة البراءة في الشبهة الوجوبيّة . ومن هنا قد يتوهّم التنافي بين كلامي المحدّث المذكور . وهو ضعيف .
لأن المحدّث المذكور قد زعم أنّ البراءة الأصليّة في كلمات العلماء عبارة عن نفي الحكم الواقعي بسبب حكم العقل ، ولذا جعلها مبنيّة تارة على مذهب الأشاعرة ، وأخرى على نفي الملازمة ، وحكم بتماميّتها على المذهبين قبل إكمال الدين ، ثمّ ادّعى في آخر كلامه منافاتها لأمور ، ثمّ زعم بقاء جملة من الشبهات تحت قاعدة الاحتياط ، وهي الشبهات التحريميّة ، وجملة من الشبهات الوجوبيّة ، وهو ما ورد فيه خبر صحيح مردّد بين الوجوب والاستحباب ، وخبر صحيح ظاهر في الوجوب ، وادّعى رخصة الشارع في جواز ترك جملة أخرى منها ، وهو ما ورد فيه خبر ضعيف صريح في وجوبه ، وخبر صحيح ظاهر في استحبابه ، ولا ريب أنّ الرخصة الشرعيّة في الظاهر لا تنافي نفي أصالة البراءة مطلقا بالمعنى المذكور .
1331 . لأنّه مع حصول الظنّ بالخطاب الواقعي لأجل الاستصحاب يحصل الظنّ أيضا بمطابقة المصلحة في الواقعة للخطاب المظنون ، بمعنى : كون المصلحة فيها