أقول : قد عرفت فيما تقدّم في نقل كلام المحقّق قدّس سرّه : أنّ التمسّك بأصل البراءة منوط بدليل عقلي هو قبح التكليف بما لا طريق إلى العلم به ، ولا دخل لإكمال الدين وعدمه ولا لكون الحسن والقبح أو الوجوب والتحريم عقليّين أو شرعيّين في ذلك .
والعمدة فيما ذكره هذا المحدّث من أوّله إلى آخره تخيّله أنّ مذهب المجتهدين التمسّك بالبراءة الأصليّة لنفي الحكم الواقعي ، ولم أجد أحدا يستدلّ بها على ذلك .
شرح
جمع من العامّة والخاصّة . ولك أن تقول : الفرض الأوّل والصورة الثالثة مندرجان تحت قوله عليه السّلام : « ما حجب اللّه علمه عن العباد موضوع عنهم » . وقوله عليه السّلام : « رفع القلم عن تسعة أشياء » من جملتها : ما لا تعلمون ، فنحن معذورون ما دمنا متفحّصين . وخرج من تحتهما كلّ فعل وجودي لم نقطع بجوازه بالحديث المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة وبنظائره . ومن هنا ظهر عليك وانكشف لديك الفرق بين احتمال وجوب فعل وجودي وبين احتمال حرمته ، بأنّه لا يجب الاحتياط في المسألة الأولى ، ويجب الاحتياط في المسألة الثانية » .
ثمّ نقل عن جماعة من متأخّري الخاصّة تبعا للعامّة كون أصالة البراءة مفيدة للظنّ بعدم الوجوب في الشبهة الوجوبيّة ، وبعدم التحريم في الشبهة التحريميّة ، وطعن فيه « بأنّ ذلك إنّما يتمّ قبل إكمال الشريعة أو بعده مع تجويز خلوّ بعض الوقائع عن حكم وارد من اللّه تعالى ، وكذا عند من لم يقل بالواجبات الذاتيّة ومحرّماتها » انتهى موضع الحاجة .
وحاصله : التفصيل في ما قطع بعدم حرمته بين ما ورد خبر ضعيف صريح في وجوبه ، وخبر صحيح ظاهر في الندب ، وبين ما ورد خبر صحيح فيه محتمل للوجوب والندب أو ظاهر في الوجوب ، بالقول بالبراءة في الأوّلين ، وبوجوب الاحتياط في الخبرين ، وهو مبنيّ على عدم الاعتداد بالظواهر . ويناسبه ما حكي عنه من دعوى كون أخبار الكتب الأربعة قطعيّة سندا ودلالة .