أنّ كون المرجّح ظنّا لا يقتضي كون الترجيح ظنّيا . فإنّا نقول : إنّ كون المرجّح قطعيّا ( 908 ) لا يقتضي ذلك ، بل إن قام دليل على اعتبار ذلك المرجّح شرعا كان الترجيح به قطعيّا ، وإلّا فليس ظنّيا أيضا . ثمّ إنّ ما ذكره الأخير في مقدّمته : من أنّ الترجيح بلا مرجّح قبيح بل محال ، يظهر منه خلط بين الترجيح بلا مرجّح في الإيجاد والتكوين وبينه في مقام الإلزام والتكليف ، فإنّ الأوّل محال لا قبيح ، والثاني قبيح لا محال ؛ فالإضراب في كلامه عن القبح إلى الاستحالة لا مورد له ، فافهم .
فثبت ممّا ذكرنا : أنّ تعيين الظنّ في الجملة من بين الظنون بالظنّ غير مستقيم .
وفي حكمه : ما لو عيّن بعض الظنون لأجل الظنّ بعدم حجّية ما سواه كالأولويّة والاستقراء بل الشهرة ؛ حيث إنّ المشهور على عدم اعتبارها ، بل لا يبعد دخول الأوّلين تحت القياس المنهيّ عنه ، بل النهي عن العمل بالأولى منهما وارد في قضيّة « أبان » المتضمّنة لحكم دية أصابع المرأة ؛ فإنّه يظنّ بذلك ( 909 ) : أنّ الظنّ المعتبر بحكم الانسداد فيما عدا هذه الثلاثة .
وقد ظهر ضعف ذلك ممّا ذكرنا من عدم استقامة تعيين القضيّة المهملة بالظنّ .
ونزيد هنا : أنّ دعوى حصول الظنّ على عدم اعتبار هذه الأمور ممنوعة ؛ لأنّ مستند الشهرة على عدم اعتبارها ليس إلّا عدم الدليل عند المشهور على اعتبارها ، فيبقى تحت الأصل - لا لكونها منهيّا عنها بالخصوص كالقياس - ومثل هذه الشهرة المستندة إلى الأصل لا يوجب الظنّ بالواقع .
وأمّا دعوى كون الأوّلين قياسا ، فنكذّبه بعمل غير واحد من أصحابنا 5 عليهما ، بل الأولويّة قد عمل بها غير واحد من أهل الظنون الخاصّة في بعض الموارد .
ومنه يظهر الوهن في دلالة قضيّة « أبان » على حرمة العمل عليها بالخصوص ، فلا يبقى ظنّ من الرواية بحرمة العمل عليها بالخصوص . ولو فرض ذلك : دخل الأولويّة فيما قام الدليل على عدم اعتباره ؛ لأنّ الظنّ الحاصل من رواية « أبان »
شرح
908 . يعني : كونه متحقّق الوجود قطعا لا يقتضي ذلك ، أي : الترجيح .
909 . يعني : بذهاب المشهور إلى عدم اعتبار المذكورات .