الثالث : لو سلّمنا دلالة الآية على وجوب الحذر مطلقا عند إنذار المنذرين ولو لم يفد العلم ، لكن لا تدلّ على وجوب العمل بالخبر من حيث إنّه خبر ؛ لأنّ الإنذار هو الإبلاغ مع التخويف ، فإنشاء التخويف مأخوذ فيه ، والحذر هو التخوّف الحاصل عقيب هذا التخويف الداعي إلى العمل بمقتضاه فعلا ، ومن المعلوم أنّ التخويف لا يجب ( 486 ) إلّا على الوعّاظ في مقام الإيعاد على الأمور التي يعلم المخاطبون
شرح
الفارق ، لأنّ القياس أن يخاطب نفس فلان كما مثّلنا به ، لعدم اختصاص الخطاب في الآية بالمنذرين . وأمّا قياسه على جميع ما ورد من بيان الحقّ للناس ، ففيه : أنّ الأمر ببيان الحقّ للناس غير أمر الناس بالعمل بما يخبر به المخبر ، وما نحن فيه من قبيل الثاني دون الأوّل ، لسكوته عن كيفيّة العمل رأسا .
486 . وجوب التخويف على المجتهد الواعظ أو المفتي ، والتخوّف على المتّعظ والمستفتي ، لا يخلو من نظر بل منع . نعم ، ربّما يجب في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن لا دخل لذلك في الاجتهاد والتقليد والوعظ والاتّعاظ ، لأنّ ذلك كلّه عناوين مختلفة وإن كان يجتمع بعضها مع بعض بحسب المورد . وبالجملة ، فحمل الآية على مسألة الوعظ والتقليد لا يخلو من نظر أو منع ، فتدبّر .
تنبيه : اعلم أنّه قد ظهر ممّا ذكره المصنّف رحمه اللّه وما علّقناه على كلامه أنّ الآية الشريفة تحتمل وجوها . كلّ منها لا يخلو من إشكال :
أحدها : أن يكون المراد وجوب النفر لتعلّم الأحكام الشرعيّة لأجل إنذار الجهال بإرشادهم إليها وتعليمها إيّاهم . وحاصله : وجوب التفقّه والاجتهاد كفاية ، والإفتاء للعامي بما تعلّموا منها .
وثانيها : وجوب تعلّمها وإنذار العباد بالوعظ ، وبيان ما وعد اللّه عباده في الإطاعة والعصيان من الثواب والعقاب .
وثالثها : وجوب تعلّمها لأجل أمر العصاة بالمعروف ونهيهم عن المنكر .
ورابعها : وجوب النفر إلى الجهاد .