شرح
وأجيب عنه أوّلا : بالنقض بوجود مثل ذلك في الأحكام أيضا ، كما لو أخبر عن وجوب قتل الزاني أو رجمه بشهادة عدلين ، وعمل بمقتضاه ثمّ ظهر كذبه وأنّه تعتبر شهادة أربعة ، أو أخبر عن حدّ شارب الخمر ، وهكذا . ويتمّ المطلوب في الباقي بعدم القول بالفصل ، أو يقال : إذا ثبت ذلك فيما يستعقب الندامة ففيما لا يستعقبها بطريق أولى .
وثانيا : بمنع كون قوله «أَنْ تُصِيبُوا» علّة للحكم ، لاحتمال كونه حكمة له ، فلا يجب اطّرادها في جميع الموارد . لكنّه ضعيف كما تقدّمت إليه الإشارة .
وثالثا : مع تسليم كونه علّة بأنّه يتمّ المطلوب بملاحظة العلّة ، لدوران الحكم مدارها وجودا وعدما ، فحيثما تنتفي العلّة ، إمّا لعدم قابليّة المورد لها كما في أكثر الأحكام على ما عرفت ، وإمّا لكون عدالة المخبر عاصمة عن تعمّد الكذب الذي تترتّب عليه الإصابة والندم ، ينتفي الحكم ، أعني : وجوب التبيّن لا محالة .
وفيه نظر من وجهين :
أحدهما : أنّه خروج من التمسّك بمفهوم التعليق بالشرط إلى التمسّك بمفهوم العلّة .
وثانيهما : أنّ غاية ما في الباب أن تكون الآية من قبيل منصوص العلّة مثل :
حرّمت الخمر لإسكارها ، وغاية ما يستفاد من منصوص العلّة وجود الحكم حيث وجدت العلّة ولو في غير موضوع الحكم ، كما لوجد الإسكار في النبيذ والفقّاع ، وكذلك انتفائه عن أفراد موضوعه إذا زالت العلّة عنها ، كما لو زال الإسكار عن بعض أفراد الخمر ، وأمّا انتفاء الحكم عن غير أفراد موضوعه إذا لم توجد العلّة فيه - كالماء - فلا يستند انتفاء الحكم عنه إلى انتفاء العلّة المذكورة فيه ، ولذا لا يتوهّم أحد التنافي بين قوله : حرّمت الخمر لإسكارها ، وبين قوله : حرّمت أكل التراب مثلا .
وبالجملة ، إنّ المستفاد من العلّة المنصوصة كونها علّة تامّة للحكم بالنسبة إلى أفراد موضوعه بحيث يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم ، وعلّة لوجود الحكم في غير أفراد موضوعه مع وجودها فيه ، وأمّا كون انتفائها علّة لانتفاء الحكم عن غير موردها فلا يستفاد منها أصلا .