شرح
التناقض كما أسلفناه ، وإن زعم صاحب الفصول خلافه كما سيجيء في محلّه .
وكيف كان ، فإذا قلنا بنتيجة دليل الانسداد من باب الحكومة فهل يصحّ وقوع الظنّ المطلق حينئذ وسطا في إثبات أحكام متعلّقه أم لا ؟ ففيه وجهان مبنيّان على تقرير حكومة العقل في اعتبار مطلق الظنّ ، فإن قلنا بعد إثبات مقدّمات دليل الانسداد بأنّ العقل يحكم بكون الظنّ حجّة شرعيّة ، وأنّه يثاب على موافقته ويعاقب على مخالفته ، كما هو ظاهر القائلين بالظنون المطلقة ، حيث يحكمون بالإجزاء مع ظهور مخالفة الظنّ للواقع ، كما هو غير خفي على المتتبّع في كلماتهم في الفقه ، فإنّه لا معنى للحكم بالإجزاء على الوجه الآتي .
وعليه أيضا يبتني ما أورده المحقّق القمّي رحمه اللّه على الفاضل التوني رحمه اللّه ، فإنّ الفاضل المذكور قد ذكر في مسألة الحسن والقبح « أنّه يشكل التعلّق بهذه الطريقة - يعني : طريقة إدراك العقل حسن الأشياء وقبحها - في إثبات الأحكام الشرعيّة الغير المنصوصة ، لكنّ الظاهر أنّه لا يكاد يوجد شيء على هذه الطريقة إلّا وهو منصوص من الشارع ، وفائدة هذا الخلاف نادرة » انتهى .
والمحقّق المذكور بعد أن منع استقلال العقل على سبيل القطع بالإباحة في الأشياء المشتملة على المنفعة الخالية عن أمارة المضرّة بعد بعثة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبسط الشريعة قال : « نعم ، يمكن أن يقال : لمّا كان العمل بظنّ المجتهد ممّا يستقلّ به العقل بعنوان القطع ، لانسداد باب العلم وانحصار المناص في الظنّ ، وذلك من جزئيّاته ، فمن هذه الجهة يصير من جملة ما يستقلّ به العقل . ومن ذلك ظهر أنّ ما يقال : إنّ التكلّم في هذا القسم من الأدلّة العقليّة قليل الجدوى ، لعدم انفكاك ما استقلّ به العقل من الدليل الشرعيّ عليه ، كما يلاحظ في قبح الظلم وحسن العدل ووجوب ردّ الوديعة وغير ذلك ، لا وجه له ، فإنّ العمل بظنّ المجتهد من أعظم ثمرات هذا الأصل ، وأيّ فائدة أعظم من ذلك ؟ » انتهى .
ووجه الابتناء أنّه لا وقع لهذا الإيراد على الوجه الآتي كما سنشير إليه .