شرح
هذا كلّه في الضررين الدنيويّين أو الاخرويّين . وأمّا إذا اختلفا في ذلك ، فربّما يقال بتقديم الأخروي ، كما يشير إليه قوله عليه السّلام :الموت أولى من ركوب العار * والعار أولى من دخول الناروالتحقيق أنّ الضرر الأخروي إن كان مقطوعا به أو مظنونا بظنّ معتبر شرعا يقدّم على الدنيوي ، لكونه أهون من الأخروي بمراتب شتّى . وإن كان مظنونا بظنّ غير معتبر شرعا أو كان مشكوكا فيه يقدّم جانب الدنيوي وإن كان مشكوكا فيه ، لأنّ الظنّ غير المعتبر كالشكّ في الرتبة والاعتبار . والضرر الدنيوي مستلزم للاخروي ، لكونه منهيّا عنه شرعا ، فيكون أولى بالمراعاة .
هذا هو الكلام في الأقسام المتقدّمة بحسب الكبرى . وقد تقع الشبهة في بعض صغرياتها ، كجواز شرب الخمر للتداوي وعدمه ، لأنّ في تقديم الضرر الأخروي أو الدنيوي في مثله إشكالا ، ينشأ من معارضة قاعدة الضرر مع ما دلّ على حرمة شرب الخمر . والأقرب فيه تقديم جانب الدنيوي ، لحكومة القاعدة على إطلاقات أدلّة سائر التكاليف . ومع تسليم المعارضة يرجع في مورد المتعارض إلى أصالة الإباحة ، لكون النسبة بينهما عموما من وجه .
لا يقال : إنّ استصحاب الحرمة بعد تعارض الأدلّة من الجانبين حاكم على أصالة الإباحة .
لأنّا نقول : إنّ استصحاب الحرمة معارض مع استصحاب حرمة الإقدام على الضرر ، فتبقى أصالة الإباحة سليمة من المعارض . نعم ، في بعض الأخبار أنّه لا شفاء في الحرام . وهو وإن دلّ بظاهره على عدم كون ترك الشرب للمريض تعريضا للنفس على التهلكة ، وحينئذ يبقى الضرر الأخروي في شربها سليما عن المعارض ، فيجب الاحتراز عنه ، إلّا أنّه يمكن دفعه أوّلا : بحملها على الغالب من وجود البدل للحرام في التداوي به ، إذ صورة الانحصار في الحرام في غاية القلّة ونهاية الندرة ، فلا يدلّ على نفي الشفاء في الصورة النادرة .