شرح
فإن قلت : إنّ وجوب دفع الضرر المقطوع به أو المظنون وإن كان متّجها ، إلّا أنّ دعوى وجوب دفع الضرر المحتمل غير مسلّمة ، كيف وبناء العقلاء على عدم الاعتناء به ، ولذا يسافرون إلى البلاد النائية ويركبون السفن في البحار الغامرة مع احتمال التعب في الطريق . وعليه بناء العلماء أيضا في باب السفر والتيمّم ، ولذا لا يفتون بوجوب الإتمام والصوم في السفر المحتمل للضرر ، وبوجوب التيمّم مع احتمال الضرر في الوضوء أو الغسل .
قلت : إنّ من تتّبع العقل وطريقة العقلاء يجد حقّية ما ادّعيناه من وجوب التحرّز عن الضرر المحتمل بل الموهوم كما هو محلّ الكلام ، ولذا لو أخبر صبيّ بوجود سبع في البيت أو بكون إناء مسموما لا يقدم عاقل على دخول البيت وشرب الإناء وإن كان مظنون الكذب في إخباره . وأمّا ما ترى من إقدامهم على الضرر المحتمل في بعض الموارد ، فهو إمّا لعدم مبالاتهم بحكم العقل ، أو لأجل معارضة الضرر المحتمل بما هو أهمّ منه في نظرهم من المنافع المقصودة لهم ، كما في سفر التجارة إلى بلاد بعيدة المسافة . بل الحقّ أنّ عدم اعتنائهم بالضرر المحتمل في أمور الدنيا إنّما هو لأجل المعارضة وعدم إجداء ترك بعض الأمور الذي يحتمل فيه الضرر واختيار أمر آخر ، لاحتمال الضرر في جميعها من وجوه شتّى . فإذا ترك السفر لاحتمال التعب فيه وأقام في بلده ، يحتمل الضرر فيه أيضا من جهة احتمال انهدام بيت أو سقوط حائط أو ضرب عدوّ أو نحو ذلك . فحيث مسّت حاجة العقلاء إلى اختيار قانون ينتظم به أمر معاشهم ، فبنوا في أمور الدنيا على ظنّ السلامة وعدم الاعتناء باحتمال الضرر إلّا من باب الاحتياط ، بخلاف الضرر الأخروي المحتمل في المقام ، لعدم المعارض له بالفرض .
فإن قلت : كيف تدّعي عدم المعارض فيه ، والعمل بالظنّ يحتمل فيه الوجوب والحرمة ؛ لفتوى الجملة بكلّ منهما ، ففي كلّ من العمل به وتركه احتمال العقاب ؟ ! .