شرح
وتوضيح المقام أنّك قد عرفت عند بيان المخالفة العمليّة للخطاب التفصيلي أنّ المراد من الخطاب التفصيلي أعمّ ممّا كان الخطاب مبيّنا بحسب موضوعه ومحموله ومتعلّقاتهما ، بحيث ينحصر فرض الاشتباه فيه في مصاديق موضوعه أو محموله أو متعلّقاتهما ، ومن ورود خطابين متعلّقين بموضوعين متغايرين ، ولكن كان بين متعلّقيهما جامع قريب يتضمّنه خطاب ثالث في الكتاب والسنّة كالقصر والإتمام ، لأنّ خطاب المسافر وإن كان مغايرا لخطاب الحاضر ، إلّا أنّ الخطاب بالصلاة في الكتاب والسنّة جامع بينهما ، فمخالفة خطابي القصر والإتمام مخالفة لهذا الخطاب التفصيلي .
ثم إنّ مخالفة الشارع تارة بمخالفة الخطاب التفصيلي المذكور بمعنييه ، وأخرى بمخالفة خطاب مجمل مردّد بين خطابين ، وثالثة بمخالفة العلم التفصيلي وإن لم يكن هنا خطاب تفصيلي . ومثال الأوّلين واضح .
وأمّا الثالث فكحرمة نظر الخنثى إلى أحد الفريقين ، لأنّه بعد ضمّ قوله تعالى :قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْإلى قوله تعالى :قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّيحصل علم تفصيلي بحرمة النظر إلى البالغ غير المماثل . وإن وقع الاشتباه في مصداق هذا التكليف المفصّل بالنسبة إلى الخنثى ، فنظرها إلى الفريقين مخالفة لهذا التكليف المعلوم تفصيلا . واعتبار كون ذلك من قبيل اشتباه الخطاب وتردّده بين خطابين وإن كان صحيحا نظرا إلى توجّه أحد الخطابين إليهما ، إلّا أنّه لا اعتبار بإجمال الخطاب مع العلم التفصيلي كما أفاده المصنّف رحمه اللّه . ويظهر أثر الأمرين في تأتّي الوجوه الأربعة التي تقدّم في كلام المصنّف رحمه اللّه في مخالفة الخطاب المردّد بين خطابين وعدمه ، لأنّه مع عدم الاعتداد بإجمال الخطاب ، وجعل المناط في الإطاعة والمخالفة هو العلم التفصيلي ، تكون المخالفة في المقام في حكم مخالفة خطاب تفصيلي في عدم الجواز بوجه واحد ، بخلاف ما لو جعل المناط فيهما هو الخطاب المجمل المردّد بين خطابين ، فيتأتّى في المقام حينئذ الوجوه الأربعة المذكورة ، وإن كان أقواها حرمة المخالفة مطلقا أيضا .