ويرد على الكل : أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعا ، فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم ، ومعلوم أن القائل بالاحتياط ووجوب الاجتناب لا يقول به إلا عن دليل علمي ، وهذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل ، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه 1 ، كما لا يخفى .
شرح
البينة ، وهو لا يدل على توقف العقاب على البينة ، خصوصا بعد معلومية أن المراد بالبينة هنا زيادة البيان وتأكيد الحجة ، لسبق قيام الحجة قبل ذلك قطعا ، لما ظهر من دلائل صدق النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : بنحو كاف في قيام الحجة على صدقه ومن الظاهر أن العقاب لا يتوقف على زيادة البيان ولا على تأكيد الحجة ، فهي أجنبية عما نحن فيه .
( 1 ) كأنه من جهة أن دليل الاحتياط لما كان علميا كان رافعا لموضوع الآيات ونحوها مما دل على عدم العقاب مع الجهل .
أقول : دليل وجوب الاحتياط إنما يكون علميا بالإضافة إلى وجوب الاحتياط ، لا بالإضافة إلى الواقع المجهول ، فهو وإن كان منجزا للواقع لا يكون بيانا له ، ومن الظاهر أن وجوب الاحتياط لما كان طريقيا راجعا إلى تنجز الواقع فدليله يقتضي العقاب على الواقع في ظرف الجهل به ، لا على الاحتياط المعلوم وجوبه .
وحينئذ فأدلة البراءة إن اقتضت توقف العقاب والمؤاخذة بالواقع على العلم به - كما في مثل حديث الرفع - كانت معارضة لأدلة الاحتياط لا محكومة ولا مورودة لها . وإن اقتضت توقف العقاب على تنجيز الواقع من قبل الشارع وإن بقي مجهولا كانت محكومة ، بل مورودة لأدلة الاحتياط . والظاهر أن أكثر الآيات من القسم الثاني ، إذ مع بيان وجوب الاحتياط بصدق بعث الرسول والهلاك عن بينة ونحوهما مما تضمنته الآيات ، إذ لا تختص وظيفة الرسول بيان الحكم الواقعي ، وكذا إقامة البينة ، ولا ظهور لها في لزوم بيان الرسول لخصوص التكليف الواقعي الذي هو