أنّ بعض المحدّثين [ 1 ] - كصاحب الحدائق - وإن لم يشترط في
شرح
للعامّة ، إلّا أنّه لم يقل بذلك في مقام الترجيح ، بل هو يخصّ الترجيح بالخبرين اللذين يكون أحدهما موافقا للعامّة .
[ 1 ] أي بعض المحدّثين وإن لم يشترطوا في التقيّة كون أحد الخبرين موافقا للعامّة ؛ لدعوى المحدّث المذكور أنّ ما ادّعاه يستفاد من الأخبار ، فإنّها دلّت على أنّ الحمل على التقيّة غير مشروط بما إذا كان أحد الخبرين موافقا للعامّة ، بل يحمل عليه ، وإن كان كلاهما موافقين لهم ، حيث قال - في المقدّمة الأولى من مقدّمات الحدائق في جملة كلام له - : « إنّ من أصحابنا رضوان اللّه عليهم خصّوا الحمل على التقيّة بوجود قائل من العامّة ، وهو خلاف ما أدّى إليه الفهم الكليل والفكر العليل من أخبارهم صلوات اللّه عليهم رأينا نبسط الكلام بنقل بعض الأخبار الدالّة على ذلك .
فمن ذلك ما رواه الكافي في الموثّق عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال زرارة : « سألت من أبي جعفر عليه السّلام عن مسألة فأجابني فيها ، ثمّ جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ، ثمّ جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي ، فلمّا خرج الرجلان قلت : يا بن رسول اللّه ، رجلان من العراق من شيعتكم قد يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ، فقال : يا زرارة ، إنّ هذا خير لنا ولكم ، ولو اجتمعتم على أمر لصدّقكم النّاس علينا ، ولكان أقلّ لبقائنا ولبقائكم » ، فهذه الرواية تدلّ على أنّ التقيّة صدرت من الإمام عليه السّلام لمجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة كي لا يعرفوا فيؤخذ رقابهم ، وهي - كما ترى - ظاهرة في أنّ الحمل على التقيّة ليس مشروطا بكون أحد الخبرين موافقا للعامّة ، بل قد يكون الغرض من التقيّة إلقاء الخلاف بينهم لحفظ دمائهم .