شرح
إذن المرفوع بحديث الرفع وجوب الاحتياط ، وأدلّة حجّية الأمارات تدلّ على تنزيل الأمارات منزلة العلم ، فبعد وجودها في مورد يرتفع الشكّ بالتعبّد ، فلا يبقى موضوع للأصول ؛ لما قد عرفت من أنّ أدلّة الأصول تدلّ على الترخيص فيما إذا كان الحكم مشكوكا ، فمع قيام الأمارة المنزّلة منزلة العلم تعبّدا لا يبقى شكّ كي تجري الأصول المرخّصة ، وتكون معارضة مع الأمارات .
وقد ذكر المحقّق العراقي قدّس سرّه أنّ التنزيل المستفاد من أدلّة الأمارات إذا كان ناظرا إلى حيث تتميم الكشف وإثبات العلم بالواقع يكون تقديم الأمارة على الأصول بمناط الحكومة ؛ إذ هي بدليل تتميم كشفها تكون رافعة للشكّ الذي اخذ موضوعا في الأصول ، ومعه يكون رفع اليد عن اليقين السابق نقض اليقين باليقين .
وأمّا إذا كان ناظرا إلى المؤدّى بإثبات كونه هو الواقع بلا نظر إلى تتميم كشف الأمارة وإثبات الاحراز التعبّدي للواقع ، فلا مجال لتقريب حكومة الأمارات على الأصول ؛ لوضوح أنّ الأمارة لا تقتضي إثبات الإحراز التعبّدي للواقع ، فإنّ غاية ما يستفاد من أدلّة الأمارات إنّما هو مجرّد تنزيل المؤدّى منزلة الواقع ، والأمر بالمعاملة معه معاملة الواقع ، ومثله غير مثبت للعلم بالواقع تعبّدا كي تكون هي حاكمة على أدلّة الأصول .
وهذا الذي ذكره قدّس سرّه مستفاد من كلام الاصفهاني « 1 » أيضا ، وهو الصحيح ، فإنّ الحكومة إنّما تتمّ على مسلك الطريقيّة الذي هو المختار ، وأمّا على مسلك المنجزيّة والمعذرية ، أو جعل المؤدّى أو جعل الحكم المماثل ، فلا يتصوّر الحكومة ؛ إذ على هذا المسلك لا تكون الأمارة موجبة للعلم بالواقع تعبّدا كي ترفع الشكّ
هامش
( 1 ) نهاية الدراية 3 : 129 .