شرح
الثاني : أن الجاهل قبل قيام الأمارة له حكم واقعا ، وهو ما يعلم اللّه أن الأمارة تؤدي اليه ، فحكم الجاهل هو الحكم الذي تؤدي الأمارة اليه في علم اللّه .
وهذان القسمان من التصويب لم يقم دليل عقلي على بطلانهما ، والدليل عليه منحصر في الاجماع ، إذ التصويب الأول معناه قيام الأمارة عند الجاهل على أحكام العالمين ، وحكم الجاهل هو حكم العالمين الذي ثبت بالأمارة ، فحدوث الحكم للجاهل يتوقف على قيام الأمارة ، وأما الأمارة فلم تقم على حكم الجاهل كي يلزم الدور بل هي قائمة على حكم العالمين .
والتصويب الثاني معناه أن الأمارة القائمة عند الجاهل تؤدي إلى حكم يعلمه اللّه ، فالحكم المعلوم عنده تعالى كان مجعولا قبل قيام الأمارة .
وبعبارة أخرى : أنه تعالى كان يعلم الحكم الذي تؤدي اليه الأمارة فجعله في حقّ من عنده الأمارة من الأول ، وهذا أيضا لا يرجع إلى التصويب المستلزم للدور .
وأما إذا قلنا بأنه تعالى لم يجعل في حقّ الجاهل حكما ، وأن حكمه تابع لقيام الأمارة ، فهذا هو التصويب الثالث الذي يستفاد من عبارة المصنّف أيضا ، وهو معروف بالتصويب الأشعري لأنه منسوب إليهم ، وهو عبارة عن كون قيام الأمارة سببا لحدوث مصلحة توجب جعل الحكم على طبقها واقعا ، بحيث لا يكون وراء المؤدي حكم آخر في حقّ الجاهل ، فتكون الأحكام الواقعية مختصة بالعالم بها وتابعة لقيام الأمارة ، فلا يتصور الخطأ فيها لأنه لا توجد أحكام في الواقع إلّا ما يؤدي اليه الأمارة .
وبعبارة أخرى : أن الأحكام الواقعية تابعة لقيام الأمارة ، فلا معنى للخطإ فيها ، وهذا التصويب مستلزم للدور ، إذ ثبوت الحكم للجاهل متوقف على قيام الأمارة على الحكم وقيام الأمارة على الحكم أيضا متوقف على ثبوت الحكم في الواقع كي تتعلق