كان إبراهيم قد جلس مع أصحابه وأوصاهم قائلا يوجد اليوم في الحج نساء وأولاد فغضوا البصر ، فقبلوا جميعا ، عندما دخل الحجيج مكة ، وطافوا حول البيت ، كان إبراهيم مع أصحابه في الطواف ، فتقدم إليه غلام جميل تأمله إبراهيم بعينه . رأى الأصحاب ذلك ، فتعجبوا منه ، ولما فرغوا من الطواف قالوا :
رحمك الله ، أمرتنا ألا ننظر إلى أي امرأة أو طفل ونظرت أنت إلى غلام حسن الوجه . قال : أرأيتم ، قالوا : بلى قال : لما جئت من بلخ تركت طفلا رضيعا ، وأنا أعلم أن هذا الغلام هو ذلك الطفل في اليوم التالي خرج أحد أصحاب إبراهيم ، وسأل عن قافلة بلخ ، ودخل فيها ، فرأى خيمة من الحرير في وسطها ، وبها كرسي ، وكان ذلك الغلام يجلس على ذلك الكرسي ويقرأ القرآن ويبكى ، فطلبه صاحب إبراهيم وقال له : من أين أنت ؟ قال من بلخ ، قال : وابن من ؟ فوضع الغلام يده على وجهه ، وغلبه البكاء ، ووضع المصحف من يده ، وقال : إنني لم أر أبى سوى بالأمس ، ولا أعرف هو أم لا ، وأخشى إن قلت له أن يهرب لأنه هارب منا . والدي هو إبراهيم بن أدهم ملك بلخ ، فأخذه ذلك الرجل لإبراهيم ورافقته أمه إلى إبراهيم . وكان إبراهيم قد جلس مع أصحابه أمام الركن اليماني ، ونظر من بعيد ، فرأى صاحبه ومعه الطفل وأمه . عندما رأته تلك المرأة صرخت ونفذ صبرها ، وقالت : ها هو أبوك ، فاندلعت ثورة لا يمكن وصفها ، وانخرط الخلق والأصحاب جميعا في البكاء مرة واحدة . عندما ثاب الطفل إلى رشده ، سلم على أبيه فأجاب إبراهيم السلام ، واحتضنه ، وقال : على أي دين أنت ؟ قال : على دين الإسلام ، قال : الحمد لله ، سأله ثانية : أتعرف القرآن ؟ قال : بلى ، قال : الحمد لله ، سأله مرة ثالثة : هل حصلت العلم ؟ قال :
بلى ، قال : الحمد لله . ثم أراد إبراهيم أن ينصرف فلم يترك الطفل بالطبع يده قط ، وكانت أمه قد توقفت عن الصياح ، فاتجه إبراهيم إلى السماء وقال : « إلهي أغثني » ، فأسلم الابن الروح بجانبه وقال الأصحاب : ما حدث يا إبراهيم ؟ قال :
تذكرة الأولياء — صفحة 297
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٩٧