نفس الصوت للمرة الثانية ولم يهتم ، وسمع نفس الصوت للمرة الثالثة فابتعد عنه ، وفي المرة الرابعة سمع صوتا : « انتبه قبل أن تنبه » هنا فقد صوابه مرة واحدة 112 .
فجأة ظهر غزال ، فشغل نفسه به ، فحدثه الغزال قائلا : أرسلت لصيدك لكنك لا تستطيع صيدى « ألهذا خلقت أو بهذا أمرت « فقال إبراهيم : ما هذا الحال ؟
وولى عن الغزال ، فهتف قربوس سرجه بنفس الكلام الذي كان قد سمعه من الغزال ، فبدا عليه الخوف والفزع ، وازداد الكشف 113 . وعندما أراد الحق ( تعالى ) أن يتم هذا الأمر ، هتفت تلابيبه بنفس الكلام ثلاث مرات ، هنا تم الكشف ، وانفتح الملكوت عليه فسقط ، وحدث اليقين ، وابتلّت ثيابه جميعها وجواده بدموعه ، وتاب توبة نصوحة .
واتجه إلى ناحية فرأى راعيا ، ارتدى اللباد ووضع على رأسه عمامة من اللباد ، والأغنام أمامه ، نظر الغلام ، وكان إبراهيم يرتدى قباء مذهبا ، فمنحه عمامة مبتلة بالعرق ووهبه الأغنام ، وأخذ منه إبراهيم اللباد ولبسه ، ووضع على رأسه عمامة اللباد ، ووقف الملكوت بأسره لمشاهدته ، فما أحسنها سلطنة تلك التي آلت إلى ابن أدهم فقد أطاح بثوب الدنيا النجس ، ولبس خلعة الفقر ، ومن ثم أخذ يطوف مترجلا في الجبال والقفار وهائما ، وكان ينوح على ذنوبه ، حتى وصل إلى نهر « مرو » . كان هناك جسر ، ورأى رجلا وقع من فوق ذلك الجسر ، وإن جرفه الماء هلك في الحال ، فصاح من بعيد « اللهم احفظه » فظل الرجل معلقا في الهواء حتى وصلوا وحملوه ، وبقوا في حيرة من إبراهيم فأي رجل هذا .
ثم رحل من هناك حتى وصل نيسابور ، وكان يبحث عن زاوية خالية ؛ لينشغل بالطاعة ، حتى وصل إلى ذلك الغار المشهور ، وسكنه تسعة أعوام ، ( وقضى ) في كل منزل منه ثلاثة أعوام .
تذكرة الأولياء — صفحة 293
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٩٣