يروى : أن الحسن أراد الذهاب إلى مكان ما ، فجاء إلى شاطئ دجلة ، وكان يفكر في شئ في نفسه ، عندما وصل حبيب وقال : لم وقفت يا إمام ؟ قال :
سأذهب إلى مكان ما والسفينة تتأخر ، قال حبيب : يا أستاذ ، ما ذا حدث لك ؟
إنني تعلمت من علمك ، فأخرج الحسد من قلبك ، أفرغ قلبك من الدنيا ، واعتبر البلاء غنيمة ، وانظر الأفعال من الله ، وعندئذ ضع قدمك على الماء ، وامض ، ووضع حبيب قدمه على الماء ومضى ، ففقد الحسن وعيه ، ولما عاد إلى رشده قالوا : ما دهاك يا إمام المسلمين ؟ قال : لامنى حبيب تلميذى هذه اللحظة ، ووضع قدمه على الماء ومضى ، وقد بقيت أنا . إن نودي غدا سيروا على الصراط النارى ، فما أستطيع أن أفعل إن بقيت هكذا ؟ ثم قال الحسن : يا حبيب ، بما نلت هذا ؟ قال : بأنني أجعل قلبي صفحة بيضاء وأنت تجعله صفحة سوداء ، فقال الحسن : « علمي نفع غيرى ولم ينفعني علم » .
من هنا قد يظن شخص أن مقام حبيب يفوق مقام الحسن ولكن الأمر ليس كذلك ، فليس هناك مقام في طريق الله أسمى من العلم ، ولهذا لا يتصف أي أمر بالزيادة إلا العلم ، وكما ( ورد ) في كلام المشايخ أن الكرامات هي الدرجة الرابعة عشرة للطريقة ، والأسرار والعلم في الدرجة الثامنة ، لأن الكرامات تكثر بالعبادة ، وتزداد الأسرار بالتفكر ، ومثل هذا حال سليمان الذي فاز بأمر لم يفز به شخص في العالم ، فسخرت له الشياطين والملائكة والوحوش والطيور ، وكان الماء والنار طوعا له ، وأرسل له في الهواء بساط طوله أربعين فرسخا ، وبكل تلك العظمة فهم ألسنة الطيور ولغة النمل . وكانت كل الكتب التي هي عن عالم الأسرار لموسى عليه السّلام ولا جرم أن كل الأمور كانت تابعة له .
يروى : أن أحمد بن حنبل 66 والشافعي رضي الله عنهما كانا قد جلسا ، فخرج حبيب من زاوية ، فقال أحمد : سأسأله سؤالا ، فقال الشافعي : لا يجوز لنا
تذكرة الأولياء — صفحة 250
مساهمون: فريد الدين العطار النيسابوري
ص٢٥٠