الأول : في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة ، حيث إن الأولى صريحة في تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة والثانية بالعكس ، وهي وإن كانت ضعيفة السند إلا أنها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح ، فإن طريقتهم مستمرة على تقديم المشهور على الشاذ والمقبولة وإن كانت مشهورة بين العلماء حتى سميت مقبولة ، إلا أن عملهم على طبق المرفوعة وإن كانت شاذة من حيث الرواية ، حيث لم توجد مروية في شيء من جوامع الأخبار المعروفة ولم يحكها إلا ابن أبي جمهور عن العلامة مرفوعا إلى زرارة ، إلا أن يقال إن المرفوعة تدل على تقديم المشهور رواية على غيره وهي هنا المقبولة ولا دليل على الترجيح بالشهرة العملية ، مع أنا نمنع أن عمل المشهور على تقديم الخبر المشهور رواية على غيره إذا كان الغير أصح منه من حيث صفات الراوي ، خصوصا صفة الأفقهية .
ويمكن أن يقال إن السؤال لما كان عن الحكمين كان الترجيح فيهما من حيث الصفات فقال عليه السلام : ( الحكم ما حكم به أعدلهما إلخ ) ، مع أن السائل ذكر أنهما اختلفا في حديثكم ، ومن هنا اتفق الفقهاء على عدم الترجيح بين الحكام إلا بالفقاهة والورع ، فالمقبولة نظير رواية داود بن الحصين الواردة في اختلاف الحكمين من دون تعرض الراوي ، لكون منشإ
شرح
بينهما أصلا ، وقد عرفت فساده ، وإن عدم موافقة أحد المتعارضين للاحتياط لا يلازم عدم إمكان الاحتياط في المسألة ، فإنه إذا تعارض الخبران في القصر والتّمام مثلا في بعض المسائل فليس شيء منهما موافقا للاحتياط مع إمكان الاحتياط بالجمع بينهما ، وهكذا الأمر في جميع موارد تعارض الخبرين في الشّك في المكلّف به في صور المتباينين فالمتعيّن الجمع بينهما بما أسمعناك سابقا من حمل الأمر بالتّوقّف على الأولويّة والإرشاد ، كما يرشد إليه التّعليل المذكور بعده .