أمّا القولي : فهو مستفاد من تتبع فتاوى الفقهاء في موارد كثيرة فإنهم لا يختلفون في أن قول مدعي الصحة في الجملة مطابق للأصل وإن اختلفوا في ترجيحه على سائر الأصول كما ستعرف .
وأمّا العملي : فلا يخفى على أحد أن سيرة المسلمين في جميع الأعصار على حمل الأعمال على الصحيح وترتيب آثار الصحة في عباداتهم ومعاملاتهم ، ولا أظن أحدا ينكر ذلك إلا مكابرة .
شرح
فالأصل عدمه ، ولذا ذكروا في المتاجر أنّه يجوز التّجارة فيما لا يعلم صحّته وفساده قبل الاختبار كالبطّيخ والبيض ونحوهما اتّكالا على أصالة الصّحة والسّلامة ، وإن كان ما ذكره قده لا يخلو عن مناقشة ظاهرة سواء جعل المدرك في الأصل المذكور الاستصحاب بتقريره المتقدّم ، أو الغلبة .
وبالجملة : قيام الإجماع بكلا قسميه على اعتبار أصالة الصّحة ممّا لا يقبل الإنكار عند المصنف الراجع إلى كلماتهم في باب التّداعي وغيره وسيرة النّاس في معاملاتهم ، إلّا أنّه لا عموم له حتّى ينفع في موارد اختلاف العلماء فيها ، اللّهم إلّا أن يقال إنّهم اتّفقوا بأسرهم على إجراء أصالة الصّحة في جميع الموارد غاية الأمر أنّهم اختلفوا في تقديم بعض الأصول عليها في بعض الموارد ، فالإجماع منعقد على اعتبار أصالة الصّحة في كلّ مورد من الموارد هكذا ذكره الأستاذ العلّامة في توجيه تعميم الإجماع لجميع الموارد ، ولكنك خبير بأنّ هذا التّوجيه لا يخلو عن النّظر ، فإنّ صريح المحقّق الثّاني ، وظاهر العلّامة على ما ستقف عليه في الكتاب عدم إجراء أصالة الصّحة قبل إحراز أركان العقد لا لمكان المعارضة ، وظاهر جماعة أيضا تخصيص مفادها بالصّحة عند الفاعل وهي أيضا غير نافع إلّا في قليل من الموارد ، وظاهر جماعة أخرى معارضتها في كثير من الموارد بأصالة البراءة ونحوها ، بل وتقديمها على أصالة الصّحة ، ومن المعلوم أنّه لا ينفع الحكم بالجريان بعد البناء على تقديم مثل أصالة البراءة عليها فتأمل .