ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إناءين وواحد من ألفي إناء ، وكذلك بين قذف أحد الشخصين لا بعينه وبين قذف واحد من أهل بلد ، فإن الشخصين كلاهما يتأثران بالأول ، ولا يتأثر أحد من أهل البلد بالثاني وكذا الحال لو أخبر شخص بموت الشخص المردد بين ولده وشخص واحد ، وبموت المردد بين ولده وبين كل واحد من أهل بلده ، فإنه لا يضطرب خاطره في الثاني أصلا .
وإن شئت قلت : إن ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء إلّا كارتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الإجمالي .
وكان ما ذكره الإمام عليه السلام في الرواية المتقدمة من قوله أمن أجل مكان واحد الخبر بناء على أن الاستدلال به إشارة إلى هذا المعنى ، حيث جعل كون حرمة الجبن في مكان واحد منشأ لحرمة جميع محتملاته الغير المحصورة من المنكرات المعلومة عند العقلاء ، التي لا ينبغي للمخاطب أن يقبلها كما يشهد بذلك كلمة الاستفهام الإنكاري ، لكن عرفت أن فيه احتمالا آخر يتم معه الاستفهام الإنكاري أيضا .
وحاصل هذا الوجه أن العقل إذا لم يستقل بوجوب دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات ، فليس هنا ما يوجب على المكلف الاجتناب من كل محتمل ، فيكون عقابه حينئذ عقابا من دون برهان .
فعلم من ذلك أن الآمر اكتفى في المحرم المعلوم إجمالا بين المحتملات بعدم العلم التفصيلي بإتيانه ولم يعتبر العلم بعدم إتيانه فتأمل .
السادس :
عدم الابتلاء إن الغالب عدم ابتلاء المكلف إلّا ببعض ( 1 ) معين
شرح
( 1 ) لا إشكال ولا كلام فيما أفاده من عدم الابتلاء غالبا ، إلّا ببعض معيّن من