ومن هنا ظهر أنّه لا فرق ( 1 ) في ذلك بين الاستناد في وجوب الاجتناب إلى حكم العقل وبين الاستناد فيه إلى حكم الشرع بوجوب الاحتياط ، وأمّا حكمهم
شرح
حاصلا بأمر واحد وإن هو إلّا كالأمر المتعلّق بالعام الأصولي ينحل إلى أوامر متعدّدة بعدد أفراد العام ، بل اللازم على هذا القول بناء على ثبوت العقاب على التجرّي القول بضعف العقاب الذي ذكرنا وإن لم يلتزم القائل به على ما عرفت الكلام فيه في محلّه ، ضرورة تعدّد التجرّي بمخالفة الأوامر الواقعي والظاهري ، فيلزم أن يضاعف الاستحقاق ؛ لأنّ المفروض أنّ التجرّي على مذهب قائله عنوان مورث لاستحقاق العقاب مستقلّا ، ولذا أورد الأستاذ العلّامة عليه فيما عرفته في مسألة التجرّي حيث ذهب إلى تداخل العقابين عند مصادفة التجرّي للحرام الواقعي بأنّه لا معنى لتداخل العقابين إن أريد وحدة العقاب بعد فرض كون كل من العنوانين علّة للعقاب كما نقول على القول بتأثير الحكم الظاهري في استحقاق العقاب أنّه لا معنى لوحدة العقاب في صورة مصادفة ارتكاب المشتبه للحرام الواقعي بعد فرض كون كل من مخالفة للحكم الواقعي والظاهري علّة تامّة لاستحقاق العقاب ، وإلّا لم يقتض مخالفة الأمر الظاهري لاستحقاق العقاب عند عدم المصادفة أيضا ، والقول بأنّ اقتضاءها العقاب مشروط بعدم المصادفة ممّا لا وجه له ، وإلّا لزم القول به في التجرّي أيضا ، ولكن لا يخفى عليك أنّه يمكن أن يوجّه القول بالاشتراط المذكور مع بيان الفارق بين الحكم الظاهري والتجرّي ، بأنّه وإن قلنا باستحقاق العقاب على مخالفة الطلب الظاهري ، إلّا أنّه لا يخفى على أحد أنّ الحكم الظاهري فيما كان المقصود من جعله إدراك الواقع ليس في عرض الواقع حتى تكون له اقتضاء مستقل عند مصادفة له فهو طريق إليه فلا أثر له عند المصادفة ، وهذا بخلاف التجرّي فإنّه لا وجه للطريقيّة فيه أصلا ، بل هو عنوان مستقل ليس فيه شائبة المرآتية أصلا ، بل لا يعقل فيه ذلك جزما فتأمّل .
( 1 ) لا يخفى عليك أنّه دام ظلّه عنى بذلك الكلام الردّ على من زعم الفرق