والأقوى أنّ المخالفة القطعية ( 1 ) في جميع ذلك غير جائز ، ولا فرق عقلا وعرفا في مخالفة نواهي الشارع بين العلم التفصيلي بخصوص ما خالفه وبين العلم الإجمالي بمخالفة أحد النهيين ألا ترى أنّه لو ارتكب مائعا واحدا يعلم أنّه مال الغير أو نجس لم يعذر لجهله التفصيلي بما خالفه ، فكذا حال من ارتكب النظر إلى المرأة وشرب المائع في المثال الأخير .
شرح
( 1 ) قد أسمعناك سابقا أنّ الظاهر من جماعة من متأخر الأصحاب منهم بعض أفاضل من عاصرناه هو التفصيل في الشبهة المحصورة بين كون الخطاب المعلوم وجود متعلّقه بين الشيئين أو الأشياء المحصورة مفصّلا أو مردّدا بين الخطابين ، فحكموا بوجوب الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة في الأوّل وجوزوا المخالفة القطعيّة في الثاني ؛ تمسّكا بأنّ حسن المؤاخذة إنّما هو فيما توجه خطاب تفصيلي إلى العبد من المولى ولو كان متعلّقه مردّدا بين الشيئين مثلا ، وأمّا لو لم يوجد ذلك فلا ، فإذا شرب ما يعين يعلم بأنّ أحدهما إمّا نجس أو مال الغير كان معذورا ؛ لأنّه لم يعلم بتوجّه خطاب النجس إليه حتّى يبنى على امتثاله ، ولا يتوجّه خطاب حرمة التصرّف في مال الغير إليه حتى يبنى على امتثاله ، فالعقاب على ما صادف منهما الواقع عقاب على أمر مجهول فيرجع إلى العقاب من غير بيان الذي يستقل العقل بقبحه .
فإن قلت : إذا علم بحرمة أحد الشيئين ولو باعتبار العلم بتعلّق أحد الخطابين به فقد علم بوجوب الاجتناب عنه من قبل الشارع تفصيلا ، فالخطاب المعلوم أوّلا وإن لم يكن خطابا تفصيليّا إلّا أنّه ينتقل منه إلى خطاب تفصيليّ .
قلت : نمنع الانتقال منه إلى خطاب تفصيلي خاطب به الشارع ، وإنّما ينتزع من الخطاب المردّد خطاب تفصيلي فلا عبرة به قطعا ، هذا ولكن قد عرفت فيما تقدّم أنّ ما حقّقه الأستاذ العلّامة هو الحق الذي يتعيّن المصير إليه والحكم به ؛ لأنّ الحاكم في مسألة قبح العقاب في صورة الجهل وحسنه في صورة العلم ولو إجمالا