ينافي حكم العقل من حيث إنّه أذن في المعصية والمخالفة ، وهو إنّما يقبح مع علم المكلف بتحقق المعصية حين ارتكابها حينئذ .
والإذن في ارتكاب المشتبهين ليس كذلك إذا كان على التدريج ، بل هو أذن في المخالفة مع عدم علم المكلف بها إلّا بعدها ، وليس في العقل ما يقبح ذلك ، وإلّا لقبح الإذن في ارتكاب جميع المشتبهات بالشبهة الغير المحصورة أو في ارتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها وفي ارتكاب الشبهة المجردة التي يعلم المولى اطلاع العبد بعد الفعل على كونه معصية وفي الحكم بالتخيير الاستمراري بين الخبرين أو فتوى المجتهدين .
قلت : إذن الشارع في أحد المشتبهين ( 1 ) ينافي أيضا حكم العقل بوجوب
شرح
بوجوب الإطاعة وقبح الإذن في المعصية إنّما هو فيما كان الارتكاب معصية في علم المكلّف ، ولا يتحقّق ذلك إذا كان الارتكاب على التدريج كما ذهب إليه غير واحد ممّن قال بجواز ارتكاب المشتبهين ، فلا يكفي الدليل المذكور ردّا عليه وإن كفى في ردّ القول بجواز الارتكاب مطلقا ، لكنّه لا يفيد فإنّ المقصود الاستدلال للقول بالمنع مطلقا ولا يكفي مجرّد العلم بتحقق المخالفة مطلقا ولو بعد الارتكاب لعدم مساعدة العقل عليه ، مضافا إلى منافاته لما وقع في الشرعيّات كما يظهر من الأمثلة المذكورة في السؤال .
( 1 ) محصّل ما ذكره دام ظلّه أنّه بعد العلم بتحقّق العنوان المحرّم الواقعي إجمالا يحكم العقل على سبيل الاستقلال بوجوب إطاعته بترك جميع محتملاته ويقبّح تجويز الشارع مخالفته بتركها ، سواء كان واقعيّا الذي يلزم منه التناقض أو ظاهريّا الذي يرجع إلى رفعه إيجاب الإطاعة للخطاب المعلوم بالإجمال لاستقلال العقل بقبح الثاني كالأوّل ، لأنّ طلب الشارع على سبيل الإلزام لا يجامع مع إذنه في المعصية لا يجامع في نظر العقل ، وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند ذوي الأفهام المستقيمة .