قال في المعتبر : « الثالث يعني من أدلّة العقل الاستصحاب وأقسامه ثلاثة الأوّل : استصحاب حال العقل وهو التمسّك بالبراءة الأصليّة كما يقال الوتر
شرح
نعم الفرق بين المذهبين أنّ المصوّبة لا يقولون بثبوت الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل والمخطّئة يقولون بذلك ، إلّا أنّ الفريقين متّفقون على إناطة العقاب بالبيان وأنّه يقبح العقاب بدونه ، وإن كان هنا حكم واقعي في حال الجهل ، وهذا معنى نفي الحكم الفعلي على المذهبين لما أسمعناك مرارا أنّ الحكم الفعلي ليس إنشاء آخر من الشارع في قبال الحكم الشأني ، وإنّما هو يعتبر من حكم العقل بجواز المؤاخذة على المخالفة وعدمه ، فالشأنيّة والفعليّة من مراتب الإنشاء الصادر من الشارع بالنظر إلى حكم العقل ، نعم عنوان الخطاب والحكم والتكليف يتّبع عند بعضهم تنجّز الإنشاء الصادر من الشارع فوجوده النفس الأمري عنده لا يتّصف بالأوصاف المذكورة ما لم يحكم العقل بثبوت العقاب على مخالفته ، وكيف ما كان فيما حكم العقل بقبح العقاب يحكم قطعا بنفي الحكم الفعلي ؛ لأنّه يتبع نفي العقاب حقيقة وهذا ملاك البراءة العقليّة لا غيره ، كما أنّه ملاك البراءة الشرعيّة أيضا ، وإن استفيد من أخبارها الإباحة الظاهريّة ، فإنّ الحكم بالإباحة في مرحلة الظاهر يلازم نفي التكليف الفعلي أيضا .
نعم على القول باعتبار البراءة من باب الظنّ استناد إلى الاستصحاب أو غيره يحكم بنفي التكليف الواقعي ظنّا لكنّه لا تعلّق له بالمقام ؛ لأنّه يدخل البراءة حينئذ في الأدلّة ويخرج من الأصول ، كما أنّه على تقدير قول المحقّق المتقدّم وبعض آخر ممّن وافقه في ظاهر كلامه يكون من الأدلّة القطعيّة على نفي الواقع استنادا إلى ما عرفت من قاعدة قبح التكليف بما لا يطاق ، فما أفاده شيخنا قدّس سره في الكتاب في ردّ المحدّث المتقدّم ذكره في كمال الجودة ، فقد ظهر ممّا ذكرنا كلّه أنّ التفصيل المنسوب إلى المحقّق في باب البراءة بل مطلقا لا أثر له في كلامه .